فجــراليــمن
29-07-2005, 11:29 PM
الروائية الكويتيه.. ليلي العثمان.. زارت اليمن مؤخرا وسجلت اعجابها بما شاهدته في بلادنا الحبيبه بمقال جميل ومشوق واسلوب رائع في الكتابه
رحلتي إلى اليمن -1-
«حلم لايُنسى»
استقبلني فجر صنعاء موّشى بلون الشروق الخجول، شعرت بنداوة السماء تمسح هم الرحلة الطويلة ، توقظ النعاس الذي لم تتح له فرصة لنوم مريح. خوفان كانا يتناوبان عليّ ويقلقان بالي. هذا الخوف ناتج عن أمرين:
أولهما قناعتي «بفوضى وزاراتنا العربية» وكثيرا ما اشتكى ضيوف الملتقيات الثقافية وغيرها في الوطن العربي من هذه الفوضى فينتظرون في المطارات حيث لايجدون أحدا بانتظارهم، ماذا لو حدث معي هذا وأنا المتعبة الجائعة الغريبة عن بلد لاتعرفني ولا أعرفها - إلا بالأسماء- ؟ من سينقذني؟ وإن كان لي فيها أصدقاء فأنا لا أعرف عناوين بيوتهم.
وبعضهم لديّ أرقام هواتفهم لكنني لا أجرؤ على الاتصال فجرا لأزعجهم سيتوجب عليّ إذن أن أتصل بالجهة الداعية- مركز الدراسات والبحوث اليمني- لكن المركز لم يفتح بعد وسأنتظر أكثر من ساعتين وسيفسد عليّ هذا الانتظار صباحي وربما الصباحات القادمة كلها!
ظللت بقلقي وأنا أنحدر من سلم الطائرة، وما أن نزلت الدرجة الأخيرة حتى صافحني اسمي مكتوبا على لوحة يرفعها أحدهم ويهديني تحية الصباح وترحيب لطيف. شهق الفرح بداخلي وانتشرت أذرع الراحة تغذيني بعد جوع وتطرد القلق المسيطر.
دخلت صالة الشرف، استقبال يفتح شهيتي أن أرتمي على كل وجه لأشكره كنت بحاجة لفنجان قهوة تركية ينشط نعاسي ويتناسب مع فرحي ، فالقهوة بالنسبة لي رفيقة الفرح، وحين فاحت رائحتها تنشقتها بشهية عارمة، لكنني ما استطعت إلا رشفة واحدة منها ، فقد كانت «سكر زيادة» ومنعنى خجلي أن أطلب غيرها. تعليمات أبي الصارمة تلاحقني «يا غريب كون أديب».
الخوف الثاني أنني دائمة القلق من لقاء المدن لأول مرة، الوهلة الأولى، النظرة الأولى، الإحساس الأول فالمدن كما البشر لها طبائعها المتناقضة، هناك مدن ترفضك ، وهناك التي تفتح ذراعيها باتساعهما وتسقطك في وسط القلب. هي تحب أو تكره ، تحتوي أو ترفض، تعد لك فراشا أو تتركك تنام عند عتبة الباب دون لحاف.
هذا الخوف استعمرني منذ أن قررت السفر، وتمنيت بداخلي كثيرا أن لا تصد صنعاء عني بوجهها ولابعواطفها فاستقبال المدينة إن كان كارها سيجعلني أبادله الكراهية - وهذا ما لا أريد- واستقبالها المحب سيفتح كل قنوات الحب إليها.
ركبت السيارة، الشمس لم تشرق كاملة بعد ، لكن ضفائرها البرتقالية بدأت تتناثر من خلف الجبال وتصب ذهبها على أسطح البيوت الهاجعة ماتزال. الشوارع هي الأخرى لم تستقبل ضجيج الأقدام والعربات وعيناي تتأملان ما حولي في لحظة حاسمة.
> > >
عادة لا أحب المدن التي لابحر فيها، كان هذا أحد هواجسي، فالبحر- هذا العشيق النادر الدائم- يأسرني. رائحة زفرة تثير بروحي اشتهاءها للحياة رغم مصائبها، هو برأيي الرجل المتحرك، الثائر حينا، الحنون أغلب الأحيان. هو الخائن الغدار وهو الوفي المعطاء. وحيث يكون البحر يكون الحب، يكون الأمان. فكيف سأقضي أيامي في صنعاء التي بلا بحر؟ خشيت ألا أحبها وخشيت أن ترفضني، أن تتعالى عليّ وهي التي بلا بحر، أن تضغط على روحي للدرجة التي أقرر فيها أن أعود من حيث أتيت ولكن! يالسعادتي فما أن جلست في السيارة ونسائم الصباح الباردة تلسعني حتى أحسست بذلك الشعور الرهيب ، شيء مايغمرني بحنان عذب، شيء مايتسرب إلى سمعي وكأنه صوت أمي التي غابت دون أن أودعها، يهمس لي: «أهلا بك في قلبي» أحسستها بذراعيها تحتوياني وتلصقاني بصدرها.
آه ما ألذ أن تحضنك أم لحظة وصولك ونعاسك. ما أشهى أن تحس قبلاتها تدفئ وجنتيك وقلبها المفتوح يتسع لك كلك ، بهمومك الشاهقات التي لاترى بأحزانك الدامعات عصية الهطول وبفراغ قلبك رغم امتلائه.
صنعاء أحبتني منذ الوهلة الأولى- لاحقا كتبها لي صديق بإهداء كتابه - صنعاء دعتني بإصرار ورفق أن أحبها منذ أن بددت خوفي من الانتظار استللت أنفاس الراحة، انتشر بصدري التفاؤل كرذاذ بارد، تأكدت انني سأقضي الأيام سعيدة، وهيأت نفسي أن أرد جميلها منذ اللحظة الاولى أن أنسف كل عوالق الهموم الباقية، أن أصفي ذهني ليكون مستعدا لاستقبال كل جديد من ثقافة، سياحة، معرفة ومحبة أيضا.
> > >
لم أفكر يوما بزيارة اليمن، حتى حين تسنى لي أن أرافق ذات مرة بعيدة وفدا من رابطة الأدباء رفضت السفر، لا أدري لماذا- وكم أنا نادمة الآن- ولا أدري لماذا حين نفكر بالسياحة لانفكر بدون الجوار أو البلدان العربية البعيدة. لماذا نهرع إلى دول العالم ونصطفيها متصورين أنها الأجمل والأكمل والأوفى؟ ثم حين نزور بلدا لم نهتم أن يكون على خارطة اسفارنا نفاجأ ونشعر بالأسى من تقصيرنا.
هكذا جاءت الدعوة إلى صنعاء لتكون فاتحة خير، فرصة أن أرى اليمن الذي لا أعرفه ، فرصة أخرى أن أشارك في ملتقى أكبر ضيوفه الكاتب الألماني الكبير- غونتر غراس- وفرصة ايضا لألتقي بأصدقاء من اليمن وآخرين كثر يلبون الدعوة مثلي من أرجاء الوطن العربي.
اطمأننت أنني أحببت صنعاء في اللحظة الاولى وهي أحبتني ، فردت شراع روحي يحلق في فضائها وأنا أقطع الطريق إلى الفندق، رغم الإرهاق والنعاس والجوع كان حنان صنعاء يتبعثر عليّ فأدلل قلبي« آه ياقلبي لاتحزن»
وصلت إلى الفندق- تاج سبأ- الذي ظللت أنطقه- تاج محل- فيضحكون عليّ، وحين خرجت في اليوم التالي لأتمشى صباحا وأبحث عن مكتبة ابتعدت فضاع مني طريق العودة صرت أسأل المارة عن - تاج محل- ولا أحد يعرفه حتى تنبه أحدهم وهو يفغر لي خطئي: أنت غريبة ، هو تاج سبأ ورافقني حتى وصلت
كعادتي لايمكن أن أنام أو آكل قبل أن أفتح حقيبتي وأرتبها، ثم اندسست في الفراش وغبت في نوم عميق لم أصحُ منه إلا في الثانية عشرة والنصف. ماذا ينتظرني في هذا المتلقى؟ بحثت عن الأخت الشاعرة أمل جبوري «لم أكن أعرفها من قبل» هي المسئولة التي يجب أن أراجعها، استلمت ملف الملتقى والبرنامج والتقيت ببعض المنظمين: الشاعر علي الشلاه والشاعر اليمني- الوديع- أحمد العواضي وغيرهم ممن سخّروا أنفسهم لخدمة الملتقى وللضيوف.
عادة أكره الفنادق الكبيرة، أكره وجبات البوفية المتشابهة، لكن مايحدث أننا نخضع لهذه التقاليد الواردة، عادات استبدتنا وساهمت أن تفرض علينا قوانينها فرضينا بها، بل ربما حرصنا عليها بعد أن «أترفنا النفط». كان الجوع أخذ مني مأخذه، فأكلت بشراهة ضاربة بالريجيم عرض الحائط.
باب اليمن يفتح باب الحب والحسرة
كنت قد وصلت صنعاء قبل الوفود كلها، ذلك بسبب ان الطائرة اليمنية تغادر من الكويت يوم 7/1 أو أن اغادر على الطائرة يوم 31/ 1 وتكون عندها قد بدأت فعاليات الملتقى. لذلك غادرت مبكرة وكان هذا من حظي لأكون حرة في الأيام الاولى، ألتقط ما أشتهيه من جولات في المدينة القديمة وأسواقها. ويالتلك المدينة واسواقها فلا تلوموني إن كتبت بهذا العشق عن اليمن. ففي قراها البعيدة واحياء صنعاء القديمة ببيوتها الطينية.
المتلاصقة شبه كبير بالكويت القديمة، تلك البساطة في البناء، الروح الخالية من سيطرة الحديث والتزويق المفتعل، ثوبها القديم يطغى بلونه ورائحته وعفويته. الاطفال يملأون الأزقة الضيقة يلعبون حفاة احرار من التجمد امام الانترنت وغيرها من الالعاب التي فصلت اطفالنا عن حضن الأهل حظائر المعيز والابقار والدجاج قرب البيوت تفوح روائح خيرهم والنساء جالسات على دكة البيوت تواكب انظارهم فلول السياح القادمين المنبهرين بكل شيء.
تشبعت بهذا العطر الذي لايختلف عن روائح الكويت القديمة ذلك الزمان الذي مضى وترك في العمق حناءه وأوشامه الجميلة وذكرياته ليس المكان وحده بل هو الانسان اليمني الطيب الخلوق البسيط بساطة الماء في الجداول، المعبق طيبة كما الرغيف الساخن يخرج من قلب التنور، الانسان اليمني ظل نقيا لم تلوثه الحياة بعد، لم يكسر صلابة روحه الترف الزائف ولم يتغلغل حقد المدن الحديثة إلى قلبه فيفسد روحه المجبولة بالطيبة والتواضع والامانة، ولست أبالغ في هذا فشعب اليمن الشقيق ليس غريبا عنا نحن الكويتيون فمنذ أن وعيت وأهل اليمن يعيشون ويعملون في الكويت وكان لهم سوق «سوق المهرة» الذي كنا لا نستغني عن الشراء منه حتى بعد أن من الله علينا بالخير وكانوا مسالمين لم يحدث أن اشتكى احد من وجودهم، لامشاكل سياسية ولا أخلاقية آمنون في وجودهم ائتمنهم الكويتيون على بيوتهم وأموالهم ، وقد عرف عن اليمني أمانته ووفاؤه لكل بيت عمل فيه. هناك شيء ما يجذبك إليه وكأن ضفيرة من الاطمئنان تجدلك به. أحببنا اليمنيين في بلدنا وهناك في اليمن احببناهم أكثر ، أحببنا الشعر اليمني وحفظناه واستقبلنا شعراءه الكبار في محافلنا الثقافية كالشاعر الراحل الكبير عبدالله البردوني. أحببنا الفن الشعبي اليمني ورقصاته المميزة أحببنا الغناء اليمني بكبار مطربيه مثل أحمد قاسم، أبو بكر سالم، كرامة مرسال، عبدالرب إدريس وغيرهم.
في اليمن لاتقابل وجها إلا وتحبه، يستقبلونك بابتسامات حقيقية تعكس فرح قلوبهم، لا يعرفون المجاملة في الحب ولا في التعامل يفرحون بالضيف، يتحسسون مشاعره تجاه بلدهم، يسترسلون في الحديث فلا تحس حواجز سوداء أو بيضاء تفصلك عنهم. يحبون الكويت حبا حقيقيا بعيدا عن السياسات المدمرة والمواقف الطارئة في جلساتنا مع كل الوفود العربية الأخرى يعبرون عن هذا الحب والتقدير ويعترفون بما أهدتهم الكويت من مدارس ومستوصفات ومستشفيات وجامعة وغير ذلك.
وإن كان العتاب قفز مني رغما أننا الكويتيون تأثرنا من موقف 1990، لكننا لانحمل حقدا ولاعقوقا تجاه اليمنيين، فالرابطة عميقة متجذرة والقلوب التي لايسكنها الشيطان لا تعرف الكراهية.
لقد ظللنا الحب هناك، أحسسناه وحملناه معنا زادا، فرحا وحزنا ايضا لأننا بعد ذلك فارقناه، ولم تخجل العين من دمعتها لحظة الفراق.
كانت الجولة الاولى في المدينة القديمة «باب اليمن» هذا الباب الذي كان الامام يغلقه ويضع مفتاحه تحت رأسه وينام ولايهمه إن تعطلت حياة الناس وأرزاقهم.
حين دخلته شعرت بالفرحة تذكرت سوق دعيج وسوق واجف في الكويت القديمة وملأتني الحسرة على تلك الاسواق التي أزالوها، وكانت تشبه هذا السوق رغم فارق المباني القديمة والآثار لحضارة أصيلة حافظوا عليها فصارت قبلة للسائحين من أرجاء العالم ومصدرا من مصادر اقتصاد البلد وإن كانت كل اسواق المدن القديمة تتشابه إلا أن هناك فروقات تترك لكل سوق خصوصيته المتفردة في بنائه وبضائعه.
وسوق باب اليمن يشتهر بالفضة من مصاغات وأوان جميلة وكذلك «بالجنابي» قديمها وما صنع حديثا منها وبالشالات المطرزة تطريزا دقيقا بألوان مدهشة ومنسجمة، بالبخور والمباخر والعسل الدوعني ويحتار السائح ماذا يحمل معه كل شيء يغري بالشراء حتى المكنسة الخوصية البسيطة التي لم تسلم من رغبتي في اقتنائها فحملت واحدة معي .
في السوق تتناغم أصوات الباعة، يؤهلون، يرحبون يدعونك دخول حوانيتهم دون ان يزعجوك بالالحاح اللزج كما في بعض المدن الاخرى .
اليمني أبيّ النفس رغم حاجته للزبون ان دعاك وتجاوزت حانوته لا يغضب وان دخلت عنده ولم تجد حاجتك يدلك بصدق على حانوت آخر يبيع البضاعة التي تريدها ولا يخلو طبع اليمني من الطرافة والفطنة فهو ذكي بالفطرة يفهم الاشارة بلبابة نادرة وهو مثله مثل كل فحولات الرجال العرب يعشق الجمال يهدي كلمات الغزل الجميل لكن دون وقاحة ولا خروج عن الادب ولا يستغل الزحام لتمتد كفه بحركة شائبة .
ما ضايقني في البدء انهم حسبوني أجنبية فكان الغزل بلغات عديدة التقطوها من السياح ورفعوا سعر البضاعة ، وما ان تكلمت العربية حتى تغير الحال وأرضى غروري .
وفي السوق اليمني كما في الاسواق العربية القديمة الممتلئة بالسياح، الفصال في الشراء يجعل السعر غير ثابت وان كان اليمني لا يتهاون مع السائح الغريب إلا انه مع العربي غير ذلك فهو كريم وبعد ان تشتري حاجتك منه يقدم هدية صغيرة بحجمها كبيرة في معناها .
سوق باب اليمن من الاسواق المذهلة التي لا يمكن لك ان تمل منها او تنساها لا يمكن لشيء ان يعبر عينيك عبور الكرام ، كل لقطة ترسخ جمالها في عدسة عينيك وانت تلتقطها بعدسة الكاميرا ، كل جماليات البناء يتشبع بها وجدانك العاشق لكل قديم لم يفسد .
كل رائحة غريبة أو أليفة تفوح من الحوانيت ، من الارض المتربة من الناس الذين يمرون تزاحمهم ويزاحمونك. روائح لا تثير التقزز والضيق ، وبصدق أقول لم تلفتني ظاهرة الروائح البشرية في اليمن كما يحدث في المدن والبلدان الاخرى ، لم أنفر لأنني لم أشتم ما ينفر وان كان الشكل - الفقير ربما - يوحي بذلك، حيرتني هذه الظاهرة ، وان كان من السخف أن أتحدث عنها ، إلا انها ظاهرة أحسها غيري من الوفود .
الزيارة لذلك السوق لا تشبعك ، تجد نفسك مشدودا للتجول فيه ثانية ، هناك أسواق أخرى تعج في الليل بروائح الخضرة والفواكه والبهارات ولا تفقد فيها إلا مقاهي الرصيف التي تقدم الشيشة ويبدو انها لا تلقي الاهتمام الكبير من اليمنيين ، وقد يكون القات - هو الأثير بطقوسه المعتادة ، لكن الحاح من يطلبها يتحقق لأن اليمني صاحب المقهى البسيط لا يريدك ان تغادر مقهاه ولك أمنية فيه لم تتحقق.
رحلتي إلى اليمن -2-
بيت ماركو وعرس الشيراتون
دعتني الصديقة الشاعرة أمل جبوري لسهرة في بيت سبق أن تعرفت عليه في زيارتها السابقة ، ، اعتذرت لأنني لست مدعوة فأنا أنتقد من يدخل بيوت الناس بلا دعوة أو يفرض نفسه على ملتقى ثقافي دون دعوة، وهذا يحدث - من بعض الكاتبات بالذات - مما يحرج المنظمين ويزعجهم ، لكنها أكدت لي أن اصاحب البيت قال لها أن تعزم من تشاء. وحمدت الله أنني وافقتها ورافقتها ، لقد عبرت إلى أجواء ساحرة في بيت ماركو العجيب.
وماركو هذا خبير إيطالي في فن العمارة الطينية ، يعيش لسنوات طويلة في اليمن، فقد كان والده طبيب الإمام الخاص، اختار هذا البيت الرائع بطرازه اليمني القديم ولم يفسده بأثاث حديث . لا نجد سوى: المطارح، الوسائد والسجاد ، حتى معلقات الضوء سراجات قديمة، وتوزعت على الطاولات شمعدانات قديمة شموعها أضفت جوا رومانسيا. امتلأت أرجاء البيت ذي الطوابق الثلاثة بتحف نادرة خشبية وفضية ، أبواب قديمة ، صناديق،أوانٍ ومرايا ولوحات.
إنه بالفعل متحف يحوي حضارة اليمن وتقاليده، لا مكان لأي جديد تنفر منه العين ويكسر جماليات العمارة، الحركة تغدو صعبة لكثرة الأشياء، حين تجولت فيه أرهقني السؤال : كيف تتم عملية التنظيف خاصة وأن زوجته لا تشاركه الإقامة في اليمن . لم أترك السؤال يرهقني - كعادتي - سألته فضحك طويلا قبل أن يجيبني:
يحتاج البيت لشهر كامل لتنظيفه لذلك تتغير العاملة في بيتي سريعا، لا أحد يحتمل هذه المشقة.
كان ضيوف ماركو كثيرين ومن جنسيات مختلفة ومن أهل اليمن .كان د. عبد الكريم الارياني - المستشار السياسي لرئيس الجمهورية - وكان مدير المتاحف والسفير الألماني وسيناتور صقلية وابنته المستشرقة ( فرانشيسكا قوراه) وخليط من العرب والفرنسيين والنمساويين والألمان، بعضهم عشق اليمن واستقر بها، وبعضهم يتواصلون سنويا بالزيارات إليها لشدة إعجابهم وعشقهم .
وإن كان ماركو قد تشبع بالطبائع العربية وأتقن اللغة إلا أنه تمسك بعادة من عادات الأجانب الجميلة فالمائدة بسيطة رغم تعدد أصناف الطعام ، لا بذخ ولا إسراف في كميات الأكل . كان تعليقنا - نحن العرب - أنه لو كانت الدعوة في بيت عربي لطبخ أضعاف عدد المدعوين وأسرف . لقد أكلنا جمعينا وشبعنا وفاض القليل أيضا.
في ذات الليلة كانت أمل مدعوة إلى عرس يمني وطلبت مني أن أرافقها ، قبل أن اعترض أكدت لي أنها اتصلت بأهل العرس ورحبوا بحضوري.كانت فرصة ذهبية لي أن أرى العرس اليمني لكن فجيعتي كانت كبيرة ، إذ كان الحفل بالشيراتون، ولا شيء من الطابع القديم، لا الغناء ولا الرقص حتى ثوب العروس وبدلة العريس، وأكثر ما أحسست به من حرج أن العرس كان - نسوياً - وكل النساء منقبات بالسواد ما عداي، ما جعلني أبدو نشازا ، وأسفت أنني تركت بيت ماركو الذي أشاع الفرح والراحة بروحي ،فقد قتل عرس الشيراتون تلك الفرحة.
***
في الليلة التي وصل فيها وفد " مؤتمر الديمقراطيين العرب" طلب من منظمي ( ملتقى الرواية العربية والألمانية) أن ينتقلوا بوفدهم إلى فندق آخر يبعد عن قلب المدينة وحركة أسواقها.
شعرت بالحقد أن يحتل السياسيون مكان المثقفين ولم أخجل أن أبدي استيائي وأنا أرافق وفدا عربيا في المصعد، فاعترض أحدهم : وهل تتصورين أن الوزراء غير مثقفين ؟ قلت : قليل من الوزراء العرب - خاصة وزراء الثقافة - من يتسمون بذلك . هناك اعتبارات عديدة لاختيار الوزراء لا تكون ثقافتهم من أولوياتها . وبقدر استيائي من تغيير الفندق لأن هذا سيضطرني لمحنة إعادة أغراضي إلى الحقيبة ثم إعادة ترتيبها هناك إلا أنني - ورغم حقدي على الوزراء المحتلين - شكرتهم بحرارة حين وصلت واستقريت بالفندق الجديد " فندق شهران " الواقع في ضاحية " حدة" إحدى ضواحي صنعاء الهادئة ، والذي يحوي 35 غرفة فقط ، وهو مبني على الطراز اليمني القديم وفيه كل ما قد يتمناه الإنسان في الفنادق الكبيرة من الإبرة حتى الإنترنت.
في مدخل الفندق تجلس" شرطيتان " يمنيتان مهمتهما تفتيش الداخلين، كان الوفد معفيا من التفتيش، ولو فُرض علينا لما اعترضنا عليه ، فمصائب الإرهاب التي انتشرت في وطننا العربي والعالم بأشكاله المتعددة يجعل الاحتياط واجبا. كنا نشعر بالأمان ،ليس بسبب التفتيش ولا لأن سيارات الشرطة تتقدم الحافلات لتفسح لنا الطريق،بل كنا نشعره لسبب واحد، أن اليمن بلد آمن نتجول فيه ليلا كمثل النهار دون خوف حتى وإن تأخر بنا الليل، وكان هذا الإحساس بالأمان مريحا تماما كما وأني في الكويت الآمنة.
لفت نظري ونحن في الطريق إلى فندق شهران،ذلك الجبل الغريب المنقسم وكأنه صدر امرأة ،فقيل لنا أن هذا المكان يدعى - النهدين - نسبة لشكل هذا الجبل وهناك مكان يدعى - ردفان - لابد أن جبله يشبه الردفين، وآخر يدعى - عيبان - ولا أدري ما اقترفه جبل ذلك المكان من عيب . ومكان آخر يدعى - كوكبان - ربما لأن جبله برأسين يضيئان كالكوكب، أسماء فيها شاعرية الضوء والجنس والجمال وأي جمال أحلى من أن تشبه الجبال بالنساء والكواكب . وقد لفتني أن الأسماء على وزن - إنسان - أكيد أن الإنسان اليمني الذي لم يفقد إنسانيته البكر ولا عذوبة روحه يستحق هذا البلد رائع الجمال - اللهم لا حسد.
يوم السبت كان يوماً مميزا. في الساعة العاشرة صباحاً قمنا بزيارة لمركز الدراسات والبحوث اليمني الذي يرأسه الشاعر الكبير د. عبد العزيز المقالح والداعي أيضا لهذا الملتقى ، هذا الشاعر العذب الذي كان حريصاً على الالتقاء بكل وفد يصل حتى وإن كان في وقت متأخر من الليل يأتي الفندق، يرحب بنا ويثلج قلوبنا بهذا الود، كان حريصا على راحة الوفود لم نشعر بأي نقص أو تقصير أو إزعاج .كل الموظفين كانوا نشطاء في تحقيق الراحة والسعادة لكل فرد منا.
استقبلنا د. المقالح في مكتبه بهدوئه الشديد وبحزنه الذي أثار فضولي، حزن شفيف يبدو في العينين وفي الصوت . هل هو حزن الشعراء أم حزن الإنسان ؟ هل هو حزن ولد معه واعتاده أم هو حزن سببته ويلات الحياة وهمومها ؟ فضولي يتعبني في كثير من الأحيان بل يقلقني ويلح عليّ، فإن أرضيته بطرح الأسئلة وسمعت الإجابات أخرسته وارتحت منه ، وإن لم أحقق له هذا يظل يقلقني وقد تمضي شهور وسنوات قبل أن يلقى الإجابات وأرتاح منه.
بعد أن شربنا القهوة اليمنية والشاي في مكتبه ، قمنا بجولة في أرجاء مكتبة المركز المليئة بكل أصناف الكتب، قديمها وحديثها ، عطور الثقافات من كل الجهات والاتجاهات الفكرية ،عربية وعالمية تثير عبقها فينتشي العقل حتى دون أن يتيح الوقت فرصة لتقليب كتاب أو قراءة تعريف على الأغلفة الأخيرة . شعرت بالحزن والمسئول عن المكتبة وأرشفتها يقول: ليس لدينا شيء من كتبك ، فأعلمته أنني أحضرت معي مجموعة كاملة مهداة إلى المكتبة ،وطمأنت نفسي أن كتبي ستحظى بالشرف الكبير حين تجد لها مكانا بين روائع إبداعات الإنسان من كل مكان.
* غداء يمني..
دعانا بعد ذلك د. المقالح إلى وجبة الغداء ، في داخلي تحسست من الدعوة، قلت يا ويلتا من أكل الفنادق وبوفيهاتها المتكررة. شعرت بالشبع قبل أن تتحرك بنا السيارات ، لكن ما إن رأيت المكان حتى اجتاحني جوع شرس .لم يكن فندقا ،كان مطعما بسيطا مختصا بالأكل اليمني ، بدأ بأقراص الخبز" الملوج "وتتالت الأطباق " العقدة وهي طبق من الخضار المهروس باللحم ، ثم : "السحاوق" وهو الجبنة المهروسة بالبسباس - الفلفل الحار - ثم الأسماك المقلي منها والمشوي المفتوح ما يشبه - المسقوف العراقي - أنواع السمك متعددة ، البياض والمرجان وغيرها مما لم أحفظ اسمه ، لكنني التهمت منه الكثير رغم أنني لا أهوى السمك وأنا ابنة البحر وذلك بسبب عقدة سببتها لي زوجة أخي في الطفولة، عقدة تنتصب كلما رأيت السمك على المائدة لكنها - أي زوجة أخي - لم تفلح هذه المرة في نصب العقدة ، أما الحلو فكان طبقا يسمونه " القصعة" وهو خليط من الخبز المفتت وعليه الهيل ثم طبقة من العسل الطبيعي.
أضيف لأجواء الطعام اللذيذ جو أنس شفاف حين أبدعت الفنانة اللبنانية جاهدة وهبي ذات الصوت " الكلثومي" الرخيم، فغنت لليلى مراد وأم كلثوم ما شنف الآذان وأسعد القلوب، كان وجودها في هذا الملتقى مبعثا لإشاعة الفرح ، وقد دعيت لتؤدي فقرات الحفل الذي احتفى بالكاتب الكبير غونتر غراس ، حيث أدت من شعره وشعر د. المقالح والشاعرة أمل جبوري ومن ألحانها أجمل القصائد.
* التجربة القاتية..
بعد الغداء والراحة في الفندق ، توجهنا في الساعة الرابعة إلى - مقيل - د. المقالح بدعوة كريمة منه ، سعدت بهذه الدعوة سعادة كبيرة ، فقد كان لدي فضول كبير وشغف عجيب لمعرفة طقوس المقيل، والتعرف على هذا الذي تتفرد به اليمن ، وتهدأ فيه فترة القيلولة هدوءا ملفتا، ما هو شكل النبتة وما طعمها ؟ وكيف " يخزن في الفم لساعات طويلة؟ ما تأثيره على الإنسان سلباً أو إيجابا ! ما هو مفعوله عليهم رجالا ونساء ؟ هل هو نوع من المسكرات المحرمة أو لمجرد المتعة كالشيشة؟ أسئلة كثيرة كانت تراودني مسبقا ، وها قد جاءت الفرصة لأرى بأم العين ما يطفىء لهيب الأسئلة .كل واحد من الوفود كان يسأل الآخر : هل سبق وأن جربت هذا وهل تنوي أن تجرب ؟ تفاوتت الإجابات لكن المحك كان حين ولجنا - المقيل - الذي امتلأ بنا وبمن سبقنا من شخصيات ثقافية وسياسية وشعراء وغيرهم ، المكان واسع ، الجلوس على الأرض فوق المطارح والشجيرات توزعت أمام الجالسين.
أول ما بهرني شكل النبات كنت قد تصورته أشبه بالبقدونس أو الكزبرة بالحجم وشكل الورقة ، لكنني رأيته مختلفا هي أغصان من شجر طويل ( رأيته لاحقا في أحد البساتين ) الأوراق السفلى كبيرة وصلبة ،والأعلى صغيرة طرية وكأنها زهرات النبتة وهي التي تخزن وتخرج العصارة.
هناك مثل في إيطاليا يقول : إذا كنت في روما فافعل ما يفعله الرومان "، الفضول الإنساني لا يقف عند حد ،وفكرة التجريب لكل جديد لا تترك لك خيارات إلا أن تجرب ،وخاصة أنه ليس نوعا من الحشيش أو الأفيون.
تلامزنا وتهامزنا وتشاورنا بالهمس قبل أن نقدم على التجربة . ما كدت أضع وريقتين صغيرتين وأمضغهما حتى شعرت بالطعم المر ينتشر في فمي رغم عطر النبتة المقبول " بصقته بورق الكلينكس فلم أكن مقتنعة بمهمة" المباصق " الموزعة أمامنا .فعملية " البصق العلني" فيها لم تعجبني وقد أثارت لدي بعض التقزز.
ليس المقيل وقتا للتخزين فقط ، إنه أشبه بملتقى أدبي وسياسي ،وربما في صفته العامة يشبه الديوانيات في الكويت والتي لا يسمح فيها بوجود النساء.
في المقيل تتشعب الأحاديث وطرح الآراء وتتناقض السياسات وتستعرض الإصدارات الجديدة ويتم الحوار حول كل الشؤون والقضايا . ولأن مقيل د. المقالح يستقبل ضيوفه المدعوين ، فقد كان لنا نحن النساء حظوة في دخوله ، ولأن اغلب الضيوف لم يزر اليمن من قبل فقد ارتأى صاحب الدعوة أن يعبر كل منا عن مشاعره الخاصة لهذه الزيارة ،هكذا بدأنا.
وكان من الشعراء الموجودين من عبر شعرا مما صاغه جديدا أو مما كتبه في زيارة سابقة ،وأبدع بذلك الشاعر الكبير سليمان العيسى . ساد جو الحب والتنافس في إعلان المشاعر الصادقة ، فأنت في اليمن لا تجد نفسك مضطرا للمجاملة الفجة لأنك حقيقة تحس بالحب لهذا البلد ولأهله ، ولأنهم يتعاملون بصدق فلا تسول لك نفسك أن تكذب عليهم وتخدعهم بالكلمات فهم فطنون أذكياء ولا يغرهم الثناء الذي لا يأتي من القلب.
* مقيل النساء..
لا يقتصر - مقيل القات - على الرجال وحدهم ، ولأن الاختلاط غير وارد فقد اهتمت النساء بإقامة- مقائلهن الخاصة- التي يتجمعن فيها .هكذا دعيت وزميلاتي الكاتبات " لمقيل نسوي ثقافي " ضم العديد من المبدعات ، شاعرات ، قاصات، روائيات ، فنانات تشكيليات ، باحثات وأستاذات في الجامعة . أغلب تلك الوجوه كنا نلتقيها في ملتقى الرواية لكننا تشككنا بمعرفتهن داخل بيت المقيل فقد تغيرت الأشكال والملامح ،في الملتقى محجبات ولا أثر للمكياج على وجوههن وفي المقيل كان الجمال الإلهي المستور يكشف عن نفسه بالملابس الزاهية وتسريحات الشعر.
ومقيل النساء لا يختلف عن مقيل الرجال ، الجلوس على المطارح الأرضية ، النبات بأكياس النايلون الشفافة بعكس مجلس الرجال حيث توضع مثل - مداور الجت - أمام الجلوس . "للمرأة دائما تفانينها" النساء بالتخزين ، بعضهن اعتدن عليه والبعض الآخر لا يمارسنه . البعض يؤكدن أن للقات مردودا إيجابيا على المرأة أكثر من الرجل ،والبعض لا يؤثر عليهن ويمارسنه بفعل العادة.
لم أجد رغبة في التجريب ثانية ، لكن الإلحاح جعلني وزميلاتي نجامل الداعيات بشيء بسيط سرعان ما بصقناه.
ولا يقل مقيل النساء المبدعات عن مقيل الرجال المبدعين أهمية فهن لا يسرقن الوقت كله للحديث الاعتيادي أو إلقاء الطرائف، بل يقرأن الشعر ، يتبادلن الإصدارات ، يناقشن كل ما يهم المرأة والمجتمع من قضايا . ثم لا يمنع الأمر من بعض الطرب والرقص " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة " ولا حرام في ذلك.
قضينا ساعتين في مقيل النساء، وغادرنا إلى الملتقى سريعا فقد كانت الجلسة الأخيرة وقراءة البيان الختامي بانتظارنا . عدنا محملات بإصداراتهن الجديدة وهداياهن أيضا.
رحلتي إلى اليمن (3)
السفر إلى حضرموت
لم نكد نرتب حقائبنا في فندق شهران الجميل ونرتاح حتى فوجئنا بطلب ترتيبها مرة أخرى ، فغداً نغادر إلى حضرموت ، وحين نعود إلى صنعاء سننتقل إلى فندق آخر - الشيراتون - لعله الشيء الوحيد الذي كان يعكر صفو الرحلة ، فالانتقال من فندق إلى آخر بالنسبة للضيف ليس أمراً سهلاً ، فقد كان لدينا كميات من الكتب ، سواء كتبنا التي حملناها لنهديها أو تلك التي أهديت لنا خلال الأيام الثلاثة ، ثم تلاها بعد ذلك ، هذه الكتب احتاجت لإضافة حقيبة أخرى مما ضاعف الحمل وزاد في تعب الترتيب وقد لا تشكل العملية هماً للرجال - المحترمين - فهم بالطبع لا يحتاجون ما تحتاجه النساء - المحترمات أيضاً - من ملابس وأغراض ،( ونثريات نسائية) ، نحرص عليها لتكمل الأناقة .
كثيراً أتمنى لو أسافر بلا حقائب ، أرتدي بنطلون ( الجينز والتي شيرت )، وحذاء الرياضة ، وأظل طوال الرحلة حرة من كل شيء ، لكن هذا مستحيل أن يحدث ، خاصة وقد مررت بتجربة مريرة يوم وصلت اسطنبول ذات مرة ولم تصل الحقيبة ففسدت كل رحلتي رغم أنني اشتريت الضرورات من هناك .
الحقيبة صديقة رغم متاعبها ويدرك قيمتها من تضيق حقائبه ، الطريف الذي حدث في الرحلة أن حقيبة الأديب الجزائري مرتاض عبدالملك لم تصل ، وحقائب الروائي العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي وصلت قبله ، فقد تأخر عن الوصول أياماً بسبب مشاكل الفيزا ، وظللنا نمازح مرتاض الذي هو معروف بأناقته أن يرتدي ملابس عبدالرحمن فيقول : هو طويل وأنا قصير !! ثم أنه أبدى نشاطا كبيرا ، وكان رب بيت ناجح ، يغسل قميصه وجواربه وملابسه الداخلية ليلا ويلبسها في اليوم التالي ، قال : في الأمر مشقة كبيرة ، قلت : حتى تعرفوا أنتم الرجال ما تقوم به المرأة من مشقات .
في اليوم الأخير للرحلة وصلت حقائبه ، كان يحمل لأصدقائه مثلي وغيري كمية من برتقال الجزائر الكبير ، لكن البرتقال فسد وبدا مرتاض في الليلة الأخيرة سعيدا بأناقته الجديدة .
كان علينا أن نغادر الفندق إلى المطار في السابعة صباحاً ، ورغم أننا لم نكن قد شبعنا من النوم بعد ، إلا أن الوفود كانت نشيطة ، ملتزمة بالمواعيد ، فالأجانب بطبيعتهم حريصون على النظام ، ونحن بدورنا العرب أردنا أن نثبت بأننا شعوب حضارية تحترم الوقت ، كان للانسجام والحب والألفة بين الجميع دور كبير في جعل أجواء الرحلات سعيدة ولطيفة ولأجواء الملتقى حميمية ونشاط .
" لا تعرف صديقك إلا في السفر " لم يكن بين الوفود من هو نشاز أو ثقيلً أو متعال أو حاسد أو متذمر من أبسط الأشياء ، ولا أنكر هنا أن الموظفين المناط بهم التنظيم كانوا يساهمون في تسهيل العوائق وإشاعة الراحة في نفوس الجميع .
من الطائرة تأملت صنعاء الحنونة ، شعرت حبال وصل متينة تربطني بها ، ماذا صنعت بي صنعاء ؟؟ ماذا غرست بقلبي من شتلات ؟؟ وما الذي ستحفره بقلبي بعد ذلك من ذكريات وجمال ؟؟ وما الذي سأشاهده في مدينة سيئون وشبام وتريم ليجعلني أغطس أكثر في حب اليمن وأهل اليمن ؟؟
***
يبدأ التفاؤل من الفندق ، كان المقر- قصر الحوطة أو الحوطاء -، الذي يذهل من اللحظة الأولى قصر بني من الطين والطمي ، يبرز فن العمارة العريق في وادي حضرموت ، يقع وسط واحة من النخيل مغطاة بالأشجار والخضرة ونماذج من النباتات المحلية النادرة ، في ممراته الواسعة والضيقة تكشف فنون العمارة وأناقة الأبواب القديمة ، أما الغرف فهي غاية في الجمال ، كل ما تشتهيه النفس من جمال الأثاث ، صندوق قديم ، أريكة عربية مفروشة بالسجاد اليمني ، والنوافذ صغيرة يعتليها تاج الزجاج الملون ، مما يضفي على الغرفة أجواء الخيال الشهرزادي ، ولا ينسى اليمنيون أصول الضيافة ، كل فندق دخلناه نجد طبق الفاكهة والحلوى وقوارير الماء .
أما الملاحظة الهامة التي أسعدتني في اليمن هو الحرص على وجود (الشطافة اليدوية) ، ليس في الفندق فحسب ، حتى في المطاعم وأماكن السياحة مما وفر لنا الراحة الجسدية والنفسية .
كل الفنادق كانت رائعة في خدماتها وجماليات القديم فيها وفي بوفيهات الوجبات الثلاث ما عدا فندق شيراتون الذي استأنا منه جميعاً ، وما حدث لي في اليوم الأول يشير إلى سوء الخدمات ، فقد تسلمت مفتاح غرفتي ، صعدت ، دسست المفتاح في شق الباب فانفتح وإذا بشخص يسكن الغرفة ، فوجئ بي وهو( نصف عار) ، اعتذرت أنهم أعطوني هذا الرقم ، غضب - ليس مني - أصر أن ينزل معي إلى مكتب الاستقبال وهناك غسل المسئول بغضبه وهذا من حقه طبعاً .
الفندق هدية الكويت إلى اليمن ، وأتمنى على أصحابه أن يجتهدوا في تنظيمه وإضافة الأشياء الضرورية إليه ليكون بمستوى فنادق اليمن الجميلة والمريحة .
بعد الاستراحة توجهنا في العاشرة إلى مدينة شبام للاطلاع على المعالم الأثرية والعمرانية القديمة ولقاء غونتر غراس ببعض أساطية البناء المختصين بالعمارة الطينية ، ومدينة شبام منطقة في محافظة حضرموت يسكنها 50 ألف نسمة ، فيها أربع تجمعات حضرية واحدة منها هي المدينة التاريخية التي تعدها منظمة اليونسكو تراثاً عالمياً نادراً .
عليك أن تقطع المسافة مشياً على الأقدام في أزقة ضيقة ترابية تصطف البيوت الطينية على جانبيها ، وطبعا يحتفظ كل بيت بحظيرته ، رائحة التراب المتطاير وروائح الحظائر تنتشر ، لكنك أبداً لا تشعر بالضيق ، فبالك واهتمامك ينصب على جمال العمارة وما حولك من أطفال ،كثيرون ،ذكوراً وإناثاً لا أحد يقلق، جمعهم ويفرق بينهم باسم العيب أو الحرام ، طفولة تنشأ سليمة في التعرف على بعضها دون خوف أو عقد أو عصي تلسع القلوب .
تجولنا في المكان ، دخلنا أحد البيوت القديمة الأشبه بمتحف ، لكن ارتفاع الدرجات وضيق المكان جعلني وبعضي من يعانون ضيق الشرايين بسبب التدخين ، جعلنا نكتفي بالدور الأول ، خرجت إلى الأطفال ، جلست معهم على دكة أحد البيوت ، صورتهم وتصورت معهم ، حاورتهم ، طلبت منهم الغناء فغنوا وغنيت معهم .
كانت معي الفنانة اللبنانية جاهدة التي كانت حريصة جداً من الأتربة المتطايرة حتى لا يتعب صوتها ، رغم ذلك غنت مع الأطفال ، لاحظت أن أكثرهم حفاة يغطي التراب تفاصيل أقدامهم ، ولم أستغرب ذلك ، فقد كانت طفولتي في الكويت القديمة مشابهة لطفولتهم ، أخذنا من الأرض مناعة وجلدا ، اعترضت فقط مرة على أحد الآباء وهو يمسك بكف طفله الصغير ونحن في سوقطرى الأرض جبلية قاسية ، قلت له : لماذا تدعه يمشي على هذه الأرض حافياً ؟ غضب من سؤالي وقال : هذا ابن الجبل لا تهمه قسوة الأرض ، ربما هو على حق ، فلا تأتي صلابة الرجال إلا من صلابة الأرض ، وتذكرت مثلاً تونسياً ((ما يتفرس إلا إذا تهرس )) أي لا يصبح فارساً إلا إذا هرسته الحياة .
والأطفال حولي تغمرني السعادة ، طلبت منهم أن يغنوا أغنية وطنية ، ففوجئت بهم ينشدون أغنيتنا " يا كويت يا رمز الحياة ، كلمة جريئة شعلة مضيئة يا كويت " ضحكت وجاهدة ، قلت لهم أريد أغنية وطنية يمنية ففعلوا دون أن أحفظ الكلمات ، ثم سألتهم أن يقرأوا ما يحفظونه من سور القرآن الكريم ، وكنت أقرأ معهم ، وحين تلكأ أحدهم بآية الكرسي أكملتها عنه فاستغرب وقال : كيف وأنت كافرة تحفظين القرآن ؟ قلت وكيف حكمت علي بأنني كافرة ؟ قال : لأنك تخرجين دون حجاب ..
قد يفرح الآن المتزمتون أن طفلاً يعطيني درساً في الإيمان ، لكن ما حدث بعد ذلك سبب لي رعباً تجاه هذه الطفولة البريئة حين سألت الأطفال : هل تفرحون بقدوم السياح ؟ صرخوا بصوت واحد : نعم نفرح بالسياح العرب ، قلت : والأجانب : صرخوا جميعاً : لا .. لا هؤلاء كفار ، من قال لكم هذا ؟ قالوا : المطوع يقول ، سألتهم هل تعرفون سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ هل تعرفون سيدنا موسى عليه السلام ؟ أجابوا بنعم ، فأكملت : وما هو كتاب عيسى وموسى : أليست التوراة والإنجيل ، كتب هذه الرسل ، وهؤلاء من تسمونهم كفاراً هم من أهل الكتاب الذين دعا ديننا الإسلامي الكريم أن نتعامل معهم معاملة حسنة ونحترم أديانهم ومشاعرهم ؟ تألمت لهؤلاء الأطفال ، ماذا غرس المطوع وسواه في عقول الأطفال هنا وهناك في كل بلداننا العربية الإسلامية ؟ أي زرع سيفجر ألغام الإرهاب والأحقاد والكراهية التي تنشر سمومها بين البشر وتعطل ركب التطور والتقدم وتثير الحروب والويلات ؟ حزنت على الأجيال القادمة ، تلك الورود التي يمتصون عطر عقولها ليملأها برائحة البارود .
بعد هذه الجولة وبعد وجبة الغداء توجهنا إلى مدينة تريم لمشاهدة القصور الطينية ومعالم المدينة الأثرية ، وتعتبر هذه المدينة من أشهر المدن اليمنية التاريخية التي تزخر بالموروث الثقافي المتنوع ، لذلك اندرجت ضمن المدن التاريخية اليمنية في قائمة التراث العالمي ، وحظيت باهتمام المنظمات الدولية.
حين زارها الكاتب الكبير غونتر غراس في العام السابق قرر أن ينشئ مدرسة لفن العمارة لتخريج أجيال تعتز بتاريخها وتواصل البناء الطيني واختار مركزاً لذلك في قصر السلام أطلق عليه "مركز غونتر غراس للعمارة الطينية" وقد تم الافتتاح في الساعة الرابعة والنصف عصراً بكلمة من د.عبدالكريم الإرياني ، ثم كلمة غونتر غراس .
بعد ذلك استمعنا إلى الشعر الشعبي ثم استمتعنا بالموسيقى والرقص اليمني الشعبي الشهير ، كان اليمنيون حريصين على التعريف بفنونهم شعراً ، غناء ورقصاً في كل تنقلاتنا من مدينة لأخرى كانت تستقبلنا الفرق الشعبية بأهازيجها وفرحها مما يثير البهجة في قلوب السكان وقلوبنا ، تلك البهجة كانت كفيلة أن تنسينا تعب التنقل وصعوبة المشي على التراب والأحجار .
في مدينة تريم عدد كبير من المساجد الطينية القديمة التي تشتهر بها المدينة ، ولذلك قامت الباحثة المعمارية ريم عبد الغني زوجة الرئيس اليمني السابق علي ناصر بإعداد كتاب علمي تاريخي عن المساجد يحتوي على مقدمة تاريخية عن حضرموت ، ومنها( تريم) وتوثيق شامل لجميع المساجد التي تتجلى من خلالها عظمة وروعة فنون المعمار الطيني وعبقريته ، كمنارة المحضار التي تعتبر أعلى منارة طينية في العالم ، سيصدر الكتاب خلال الأشهر القادمة ليقدم نموذجاً لنشاط واهتمام المرأة واعتزازها بتراث وطنها .
اليمن تهدي الفرح
لا يترك لك اليمنيون مسافة ما بين الفرح والفرح ، الكرم والكرم ، يأخذونك حيث لا تدري وتفاجأ بالمكان ، كل يوم مفاجأة وكل رحلة اكتشاف وكل اكتشاف إضافة للعقل والقلب والوجدان وإثراء لزمن قادم نكون فيه أو لا نكون ، لكنه يبقى عبر الكتابات لأجيال قادمة نتمنى أن تحب أوطانها وتبذل روحها لأجل أن تعيش هذه الأوطان بخيرها ، سلامها ، أمانها ، حرية إنسانها ، وحرية فكرها .
في اليمن نسيت كل أحزاني ، نسيت وجه رجل أحببته وما يزال يتربع في قلبي وقلب أولادي ، لأنني هناك أحببت كل الوجوه فاتسع القلب لها ، وأحب كل الأمكنة ، فتمددت بروحي على عشبها وترابها وحنان قلوب ناسها الذين كانوا كرماء في هداياهم في كل مكان نزوره ، كما كانوا كرماء بالحب والترحيب .
سقطرى المفاجأة
ماذا ينتظرنا بعد ؟ كان يوم الاثنين 12/1 هو يوم المفاجأة الكبرى ، يوم الأحلام والجمال ، كان السفر إلى جزيرة سقطري الحالمة وسط المحيط ، أقلتنا طائرة خاصة إلى هناك ، في داخلي توقعت شيئاً كبيراً ، فقد اعتدت خلال الأيام السابقة أن أتوقع كل جديد مثير ، كنت واثقة أنهم لا يتعبوننا بالسفر والتنقل لأجل شيء اعتيادي رأته العين في أسفارها أو قرأت عنه .
من المطار ركبنا سيارات الجيب التي كانت مهيأة بالماء وعلب الكلينكس فهي ضرورية للطريق الذي استغرق ساعتين ونصف ، قطعنا المسافة المرصوفة أولاً بمدة ربع ساعة ، ثم أخذ الطريق شكلاً آخر ، السيارات تسير على الحجارة والصخور في طرق ضيقة رهيبة بين الجبال والبحر والأشجار ومنظر الوديان المخيف تهزنا هزاً لا رأفة فيه ، وتمتلئ أنوفنا وصدورنا بغبار الأرض لكننا ننسى التعب وغصتنا في التراب ، فقد هبطنا من الطائرة إلى قطعة اقتطفها الله الحنون من الجنة وأهداها إلى اليمن التي تستحق الهدية .
آه يا سقطرى ! ماذا فعلت بي ؟ يا حلماً لم يراودني يوماً ، يا شادية بين الجبال العالية ، يا صمت البكارة الخجلى التي لم تمسها فحولة المدينة وأنيابها ، ضاوية بالغيم ، معربشة بالأخضر والأزرق ، ناعسة تحرسها جبالها ، رجالها الشاهقون العاشقون ، ونخيلها المحتار ما بين نسمة تزف إليه الندى وريح تزأر في قلبه ، يستقبل أطفالك السياح بتلويحة أكفهم السمراء ، أبرياء من سموم المدن وصراعات جشعها غيومك إكليل الجبال وحصاك نعالها الحنون.
كيف يا سقطري انبثقت من جوف الأرض ؟ أمرجان أنت تحدى العمق وانفرش جميلاً ؟ أم لؤلؤة نادرة عافت صدفتها لتتعرى طامعة بصدر السماء وشفاة القمر ؟ هل أنت جنية البحر أم تراك عروسته التي تاقت روحها إلى الضياء ! كم أنت باهية رائعة كقلب الأم حين يحتضن ابتسامة الطفل البكر .
سقطرى ، واحة أنت في قلب البحر يؤمها العطاشى والحالمون والمبدعون ليحفروا أسماءهم على لحاء أشجارك النادرة يسجلون تواريخ القدوم ، كم تراهم سينتظرون حتى يسجلوا تواريخ الزيارة القادمة ؟
تلك بيوتك تغفو على سهام الريح صيفاً ، تشق عباب أذنها تسافر في خلجاتها الساكنة ، تزعزع أشجار قلبها الغافية ، تشعل فتائل الحب فتفور نيران الأجساد المتعبة ليولد كل يوم أقمار ونجوم .
بيوتك تشم كل فجر رائحة التنور وأقراص العجين المخمر بانتظاره ثغور الأطفال الناعسين ، تكفكف الأم جوعهم وتنثر للطيور بقايا الفائض من خبز يابس ، ويا لضفافك الزرقاء تورق أجمل الدرر ، صخورك الحمراء والبيضاء ، قواقعك ، مرجانك ، قلوب نساء تترامى مكشوفة لفضول العيون ، تتشهي الأكف أن تلمسها ، تسرقها وتخبئها ، تهرب بها بعيداً لتكون تحفاً ترص على المناضد والرفوف ، لكن عيون حراسك واعية تحميك ، تصادرك (1) فيبكي كل من فقدك .
إيه سقطرى : من لي ولو بخيمة صغيرة أسكنها هنا بين بحرك والجبل أو تحت "دم الأخوين" (2) في - حم حل - (3) أصلي لبهائك ولله الذي صنع هذا الجمال ، فكي يا سقطرى حبالك كلها وضفائرك ، قيديني بها ، أسجنيني في قلبك ، لا أريد حرية الدنيا كلها ، أريد قيدك ، سجنك .. آه كم يكون السجن شاسعاً وسعيداً في قلبك ؟ أي حجة إذن أبتدعها لأظل في حضنك ؟ هل أحب رجلاً فيك لأبقى ؟ أم أتحول رجلاً لأحب امرأة فيك وأبقى ؟ لن تثمر أحلامي بالبقاء ، لقد خلقك الله بعيدة ليعبرك السائحون والعاشقون ويرحلون لكي لا يلوثوا طهارتك وجمالك .
سقطرى : يا بهاء الدنيا ، كحلها ، فضتها ، زينتها ، ورودها والينابيع ، أحبيني مثلما أحببتك ، ناديني مرة أخرى لأرتدي من غيمك سترة طفولتي المحرومة ، وصباي السجين وعمري الذي يشيخ الآن ، افرشي لي عشبك ورملك ، دثريني بشعر نخيلك الحنون ، سربي إلي أحلام نساءك الصامتات أتجول في جنانها ، ألتقط لي زوادة للرحيل ، كم أحبك وأنا في قلبك الآن ، وغداً حين أكون بعيدة عنك سأحبك أكثر وكل السنين القادمة .
سقطرى : أنت في البحر قلب أم وفي القلب أنت أشهى الرجال ، أودعك الآن وأنسى قلبي كله بين ذراعيك ، صكي عليه ، قبليه كل ليلة ليظل يخفق فأعيش حتى وأنا بعيدة عنه .
* روائية كويتية
1- سقطرى محمية لا يسمح للسياح بأخذ شيء من روائعها البحرية النادرة.
2- دم الأخوين شجرة هابيل وقابيل .
3- حم حل : المنطقة الأعلى في الجزيرة التي تغدينا بها .
رحلتي إلى اليمن - الحلقه الاخيره .
حلم لاينسى
لا وصف ولا كلام يكفي ويعطي جمال هذه الجزيرة حقها ،حتي الشعر لن يفيها هذا الحق.
توقفت بنا السيارات، كان المكان معدا، تحت الأشجار فرشت الأبسطة والوسائد.
توزعنا في المكان مثل الطيور تتقافز من جمال إلى جمال، رذاذ مطر خفيف ونسمات لاتثير قشعريرة البرد بقدر ما تضاعف النشاط والرغبة في تكشف كل شيء كبير أو صغير.
تناثرنا نلتقط الصور مسحورين مذهولين لانصدق إلا أننا في بقعة من بقاع النعيم كان شجر «دم الأخوين» ينتشر حولنا.
تلك الشجرة الغريبة المنفرشة الأوراق كأنها رأس أنثى صفف شعرها أمهر الحلاقين.
حين توخز جذع الشجرة بأظفرك أو بعود يسيل الدم الأحمر، بعضهم يعبئه في زجاجات وبعضهم يكتفى بتذوق طعمه وتصويره.
أشجار أخرى غريبة ضخمة الجذع قليلة الأوراق، ما إن توخز حتى تنز ماء ذا رائحة زكية.
لم يهدأ فضولنا إلا حين جاء وقت الغداء، قبله استمعنا إلى الشعر السقطري من شعرائه الكثر، وكان هناك من يترجم لنا فاللهجة السقطرية لها خصوصيتها ونغماتها.
بعضهم قال أنها أقرب إلى لهجة - المهرة، في الشعر السقطري رومانسية وعذوبة وهو مسخر للحب فقط، الحب للإله، للمرأة، للأرض وللجمال ،ولكن! أين سيذهب هذا الشعر إن ذهب شعراؤه؟.
فضولي المعتاد دفعني إلى السؤال، لمحت الحزن بعين أحد الشعراء ،قال: «ليس من يهتم بطباعة هذا الشعر، نحن نكتبه على الورق، نلقيه في الأماسي، يحفظه من يحفظه وينساه من لايملك ذاكرة قوية.
كم نتمنى أن نجد الجهة التي تحافظ عليه ،كم نتمنى أن ينشأ لنا مقر نتجمع فيه نحن الشعراء وغيرنا ممن يبدعون بفنون أخرى» ،ومني بكل تواضع إلى من يهمهم أمر الثقافة والإبداع والحفاظ على التراث أن يهتموا بشأن هذا الشعر ليبقى كما بقيت الآثار والفنون الاخرى.
وأتمنى لو حقق الله لي الأمنية وزرت سقطري مرة أخرى ان أرى مقرا لمبدعيها.
كنا نتضور جوعا بسبب طول الرحلة ،وبدأت جملة «هذا الشكل فأين الأكل ؟» تتناقل بيننا، ثم سرعان ما أعلن جوعنا عن نفسه فأبدينا رغبتنا في الطعام.
جاءت الصواني الكبيرة ممتلئة بالأرز تتربع عليه رؤوس وكبود ولحوم الخرفان الصغيرة، صواني أخرى بها الأسماك المقلية والمشوية ، علب البيبسي والميرندا وقوارير المياه المعدنية، واندفعنا كالأسود إلى الموائد ، ما كدنا ، حتى ظللتنا أجنحة الطيور الكبيرة التي انحدرت من السماء ،افترشت المكان من حولنا وبدأت تتلقف ما نرميه نحوها من زوائد الطعام منظر ولا أجمل ،سألت عن اسم تلك الطيور فقالوا إنها «السويعدو» طيور شقراء تشبه النسور لكنها أليفة ،كنا نتمشى بينها أو نحاذيها فلا تطير.
كما كان ذلك النهار فريدا، يوما رائعا ومبهجا ،كم تمنينا لو كان في الجزيرة فندقا آخر غير الوحيد فيها لنسكنه نحن من عشقنا الجزيرة وارتوينا من أكسجين جوها النظيف.
بعد الشبع من الطعام وليس الشبع من المكان انحدرنا بالسيارات نحو البحر ويا له من بحر ! صرخت: البحر البحر واندفعت إليه حافية غير آبهة بوخر بدائعه المتناثرة التي تغطي الأرض فلا مكان للرمل على هذا الشاطئ.
وبجنون الدهشة والرغبة في اقتناء بعض النوادر من الأصداف والقواقع والحصى والصخور تحركت روح السائح لدينا، بدأنا نجمع ،بعضنا يعبئ جيوبه وبعضنا يعبئ الحقائب والأكياس، فرحين كل الفرح بما تحظى به أيدينا ،لكن يا فرحة ما تمت ، جاء حراس الشاطئ يعتذرون لنا بأدب أن نعيد كل ما جمعناه من ثروات نادرة ،هذه الجزيرة محمية ولايسمح بأخذ شيئ منها ولو أصغر الأشياء، احترمنا التعليمات واهتمام الحراس وبحزن شديد أعدنا المواليد الجميلة إلى أحضان أمها الشاطئ وأبيها البحر.
هل أعترف الآن ولا أعاقب ؟ لم أستطع إلا أن أحتفظ بشيء من سقطرى الجميلة وساحلها الأجمل ، خبأت في كفي صخرة صغيرة على شكل شجرة وأخرى على شكل مسلة ،سيغفر لي اليمنيون سرقتي البسيطة حين يعلمون ان سقطرى قد سرقت قلبي، بل سرقتني كلي.
لحظة وداع الجزيرة كانت لحظة قاسية، أنت هنا لاتودع مكانا عاديا ولا بقعة من بقاع الدنيا التي تتشابه ،هنا تتفرد الجزيرة بجمالها.
لا أحد يشبه سقطرى ولا جمال يضاهي جمالها ولا حنان يغمر مثل حنانها للدرجة التي يخونك صوتك ،يترغرغ بدمعك وأنت تودع أهلها وشعراءها، تشكرهم على كرم الحب، والضيافة، ستجد نفسك تغادر بحزن يوازي الفرح الذي زرعته في جنائن قلبك لحظة الوصول ،ستحس بسحرها يرافقك ،يسكنك ،يدغدغك.
ليست هي أرض بل حبيب سقطت في عشقه ولم يسم عليك أحد، وحين تقلع بك الطائرة وتلمحها وادعة من البعيد سيتأكد لك أن هذا الحبيب لن يفارق مخيلتك ولا قلبك وأنك ستظل تحلم وتحلم متى تعود إليه مرة أخرى.
> > >
في مفاجأة أخرى يأخذنا برنامج الملتقى إلى زيارة لأحد قصور «الإمام» القديمة، تستقبلنا فرقة شعبية تثير كل ما اختزنته الذاكرة وظنت أنها نسيته.
أغانٍ يمنية قديمة تدفقت في لحظة فشاركنا في الغناء، رقصات شعبية بالزي اليمني رجالا ونساء، رقص متقن لا تبذل يغري على المشاركة رغم صخور الأرض المعيقة.
هناك ستجلس على سور واطئ لتتأمل بذهول شكل القصر المرتفع النابت فوق صخرة من صخور الجبال .
ستتمنى - إن كنت مثلي لاتستطيع الصعود إلى الأعالي - لو كنت طيرا لتحط في آخر طابق شاهق حيث يلوح لك الآخرون من صعدوا رغم التعب.
قصر كان يحوي الإمام ونساءه وحاشيات الحراس والخدم ،ينام شعبانا متوسدا مفتاح المدينة غير عابئ بما يعانيه الشعب ، ثم «على الباغي تدور الدوائر» فيصبح هذا القصر وسواه معلما أثريا يؤمه السياح وهم يلتقطون الصور وعبير الحرية التي تسود البلاد بعد زوال الأغلال.
كان الغداء كريما ولذيذا تتخلله الموسيقى من الفرقة اليمنية ومن صوت جاهدة التي أتحفتنا بغنائها.
بعد هذا الكرم الغذائي كان بانتظارنا كرم آخر من الداعي وزير الثقافة والسياحة الأستاذ خالد عبدالله الرويشان الذي قدم للنساء عقود الفضة وللرجال علب العسل الطبيعي.
كما أهدى الوفود مجسما صغيرا لقصر الامام ،هكذا تتلاحق الهدايا الكريمة علينا من كل مكان نزوره.
ولن أنسى هدية الشاعر الكبير د.عبدالعزيز المقالح التي يقدمها في اليوم الاول لوصول كل وفد، مبلغ من المال عبارة عن - بوكت موني - مصروف جيب - وهذا تقليد اعتدناه من بعض الدول تجاه ضيوفها ،لكن ما حدث في اليمن لنا كضيوف لايحدث هنا لضيوف الكويت حيث تسلم الهدية للضيف في اليوم الأخير لزيارته مما لايتيح له أن يشتري حاجة نقصته أثناء إقامته أو يشتري شيئا يذكره بالبلد التي زارها.
وإن كان المثل يقول: أنا غنية وأحب الهدية» فقد انطبق هذا على الجميع، فرحنا بالمبالغ وطبعا سرعان ما تبدد على المشتريات المغرية.
حين تسلمنا المبالغ وقعنا على ورقة الاستلام - وهذا تقليد سائد إذ أن من يقدم المبلغ ليس واهبه بل أحد الموظفين - الذي حدث أننا قبل التوقيع كنا نتحدث مع مجموعة من الأخوة العراقيين عن أوضاع العراق سابقا ولاحقا ،وجيء على ذكر الوثائق التي ستفضح كل شيء بما في ذلك دناءة بعض المثقفين والمفكرين والأدباء ممن كانوا أبواقا لصدام ونظامه ،من باعوا ضمائرهم فزوروا الحقائق، ساندوا الطاغية في ظلمه ونسوا الشعب العراقي الذي لن يغفر لهم مواقفهم المخجلة.
كان سؤال إحدى الزميلات الكاتبات: هل سيكون توقيعنا على استلام المبلغ إدانة بأننا نقبض لنكتب ؟ لا ألوم زميلتي في سؤالها، لكن الوضع هنا يختلف تماما عما كان يمارسه نظام العراق البائد.
فهذا المبلغ معنوي وهدية بسيطة يقدمها كل بلد لضيوفه.
هي ليست سيارات مرسيدس فخمة ولا ساعات ذهبية فاخرة ولا مبالغ كبيرة تحول بالدولار لحساب المطبلين.
كان صدام يقدم رشاوى لكن اليمن لايحتاج أن يرشونا لنكتب عنه أو نجامله.
فما رأيناه من جمال البلد وحضارته وتراثه ومن ثقافته وفنونه، وما لمسناه من حب ورعاية وتقدير يدفعنا - دون فرض من أحد - أن نكتب بحب صادق واعتزاز كبير بهذا البلد وناسه الطيبين الكرماء.
دعوات أخرى لبيناها ،دعوة رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال الذي كان بيته أشبه بمعرض للفن التشكيلي، سبقتها دعوة مدير غرفة التجارة حيث القصر الفخم الذي تجاوز العمارة اليمنية ليكون حديثا بمبناه وأثاثه.
قصر فاخر أنيق يبعث على الراحة بألوانه المنسجمة مما أثار شهية الأجانب لتصوير كل ركن فيه.
أمسيات الموسيقى والشعر والغناء صاحبت برنامج الرحلة السياحي والثقافي.
في حديقة فندق البطحاء كانت الأمسية تحت ضوء القمر الذي رأيته في اليمن لأول مرة.
هل كنت غافلة عنه أم مشغولة بقمر آخر أهداه لي صديق فأضاء عتمة قلبي ؟ غنت ليلتها جاهدة وهبي أشعار غونتر غراس والمقالح وأمل جبوري.
وفي الليلة الأخيرة بدأت الفرقة اليمنية وصلتها ثم بدأت قراءات غونتر غراس لشعره باللغة الألمانية ،وقامت الشاعرة أمل جبوري بالترجمة الفورية.
كانت الموسيقى والشعر والغناء تغذي أرواحنا وتخفف عنا تعب التنقل وجلسات الملتقى وتقرب وفود الملتقى القادمين من بلدان وثقافات مختلفة.
أو بعد هذا يأتي من يحرم هذه الفنون الإنسانية الجميلة ويتهم من يمارسها بالزندقة والكفر ؟؟.
> > >
ذات مساء سرقنا ساعة من برنامج الرحلة ،ذهبنا مجموعة من الأصدقاء الأدباء والشعراء لنزور المتحف ذا البناء المذهل .
كان قصراً قديما لأحد الأثريا أيام «الإمام» أبقى عليه اليمنيون ليكون تحفة معمارية وثقافية.
تجولنا بعد ذلك في السوق وجلسنا في مقهى نحتسي الشاي اليمني ونتبادل أحاديث ثقافية كنا بحاجة إليها،ولا يخلوا الأمر من بعض «النميمة البريئة».
إن كنت في اليمن فستكون سعيدا للدرجة التي لاتفكر فيها بسماع أخبار التلفزيون المحشودة بالمصائب وأخبار التفجيرات وصراعات الدول لأنك لا تريد لشيء أن يفسد عليك رحابة السعادة.
لقد طوقتني اليمن بسياج من الورود والفرح جعلني أنسى الاتصال اليومي بأولادي كما أفعل في كل أسفاري، حين فعلت بعد أيام شعرت بالقلق مستبدا بهم.
قلت لهم كلمة واحدة: أنا في الجنة. ومن في الجنة لايفكر بأهل الأرض حتى وأنتم أولادي. تركت هاتفي النقال مفتوحا بعد ذلك ليتصلوا بي.
هكذا هو اليمن الساحر، وهكذا هم اليمنيون، الأصالة والكرم، أدهشتنا بلادهم الجميلة ودهشنا بناسه الأجمل.
أو بعد هذا نتساءل لماذا وصفت هذه البلاد باليمن السعيد ؟ إنها تهدي السعادة لكل من يزورها ،ولاعجب إن أحببناها لأنها أحبتنا.
ملأت قلوبنا بورودها وعطرها وروائح تراثها الأصيل.
تأكدت ان اليمنيين يحبون بلادهم ،يعشقونها للدرجة التي يبذلون قصارى الجهد ليحبها الآخرون.
وقد قدموا صورة مشرفة لبلدهم وللإنسان فيها.
لم نأخذ مأخذا ولو صغيرا على اليمنيين ممن تعاملنا معهم بحكم الملتقى أو من مررنا بهم مرور الكرام في الأسواق والأماكن التي زرناها.
لم يعكر صفوي في هذه الرحلة إلا ما حدث لي في فندق الشيراتون، هذا الفندق المليء بالنواقص الأساسية مثل مكتب وصالون كوافير وشطافة الوضوء ! وأسوأ ما يشوه مدخله تلك الرافعة الحديدية الغليظة التي يتدلى منها حبل مهلهل وكأن كلبا طاح فيه عضا.
كنت أكره هذه الرافعة دون سبب واضح ،لكن السبب حدث قبل اليوم الأخير أثناء خروج الباص من باب الفندق، وكنت أجلس ناحية اليمين في الكرسي الأول - كعادتي دائما لأتمكن من التصوير بالفيديو - فجأة حدثت ضربة قوية ،تفجر الزجاج بجانبي وتطايرت شظاياه الكبيرة والصغيرة.
للوهلة الأولى جمدت الدماء بعروقي، تصورته هجوما إرهابيا، حتى رأيت الرجال تتراكض وأحدهم يرصخ: «فك الحبل عن المرآة».
كان حبل الرافعة - الذائب - قد علق بمرآة الباص، لم ينتبه السائق، تحرك فهوت الرافعة على النافذة بجانبي وهكذا تغطيت كلي بالزجاج ومفاصلي ترجف من الخوف.
لن أنسى لهفة كل من كان في الباص ولا خارجه علي، نفضت نفسي من الزجاج ،حمدت الله على سلامتي، حمدته أكثر عل حب الناس لي، فلم يخيب الله أمنيتي أن أكون ذات يوم كاتبة محبوبة.
ماذا عن «ملتقى الرواية العربية الألمانية» الذي دعيت إلى صنعاء لأجله ؟ لهذا مجال آخر في الصفحة الثقافية لأنه ملتقى يستحق الكتابة عنه وإن باختصار.
دقت ساعة الرحيل، كنت ما أزال أعيش سحر «سقطرى» بدأت أصابع الحزن المعذبة تطاردني حتى تسربت إلى قلبي.
كم هو مؤلم حزن الفراق، لكنه رغم ذلك لم يؤرق فرح الأيام الجميلة وذكرياتها.
ظلت ممدة متشعبة في القلب الذي لا ولن ينسى.
لم تكن الرحلة مجرد أيام قصيرة، بل كانت عمرا من الطواف حول الجنة وفي قلبها.
كانت حلما نادرا سيظل ضوؤه وعطره ورذاذه يبلل جفاف الأيام والسنوات القادمة، وسيظل يقرصني بالعتاب الشديد: «لماذا لم تفكري بزيارة اليمن قبل هذه الدعوة؟» آه كم أنا نادمة.
ودعت صنعاء حزينة، كانت أذرعها الحنونة تشد علي وهي تشيعني إلى المطار.
لا تود أن أرحل ،تهامسني أن أبقى، لكنها «سنة السفر» ذهاب وإياب.
هنا نخلف حزنا نترك أثرا، ومن هنا وهناك نقطف شتلات الحب والمعرفة.
نواصل حمل زوادة الأسفار ولا نندم.
حين جلست على مقعدي في الطائرة انحدرت دموعي ساخنة ،نظرت من النافذة، أدركت أنني حين دخلتها - جاهلة - بها ما كنت أدري أنني على مشارف حب كبير.
إن قلب المرأة لايعشق سوى الرجل، لكنه هذه المرة عشق اليمن.
رحلتي إلى اليمن -1-
«حلم لايُنسى»
استقبلني فجر صنعاء موّشى بلون الشروق الخجول، شعرت بنداوة السماء تمسح هم الرحلة الطويلة ، توقظ النعاس الذي لم تتح له فرصة لنوم مريح. خوفان كانا يتناوبان عليّ ويقلقان بالي. هذا الخوف ناتج عن أمرين:
أولهما قناعتي «بفوضى وزاراتنا العربية» وكثيرا ما اشتكى ضيوف الملتقيات الثقافية وغيرها في الوطن العربي من هذه الفوضى فينتظرون في المطارات حيث لايجدون أحدا بانتظارهم، ماذا لو حدث معي هذا وأنا المتعبة الجائعة الغريبة عن بلد لاتعرفني ولا أعرفها - إلا بالأسماء- ؟ من سينقذني؟ وإن كان لي فيها أصدقاء فأنا لا أعرف عناوين بيوتهم.
وبعضهم لديّ أرقام هواتفهم لكنني لا أجرؤ على الاتصال فجرا لأزعجهم سيتوجب عليّ إذن أن أتصل بالجهة الداعية- مركز الدراسات والبحوث اليمني- لكن المركز لم يفتح بعد وسأنتظر أكثر من ساعتين وسيفسد عليّ هذا الانتظار صباحي وربما الصباحات القادمة كلها!
ظللت بقلقي وأنا أنحدر من سلم الطائرة، وما أن نزلت الدرجة الأخيرة حتى صافحني اسمي مكتوبا على لوحة يرفعها أحدهم ويهديني تحية الصباح وترحيب لطيف. شهق الفرح بداخلي وانتشرت أذرع الراحة تغذيني بعد جوع وتطرد القلق المسيطر.
دخلت صالة الشرف، استقبال يفتح شهيتي أن أرتمي على كل وجه لأشكره كنت بحاجة لفنجان قهوة تركية ينشط نعاسي ويتناسب مع فرحي ، فالقهوة بالنسبة لي رفيقة الفرح، وحين فاحت رائحتها تنشقتها بشهية عارمة، لكنني ما استطعت إلا رشفة واحدة منها ، فقد كانت «سكر زيادة» ومنعنى خجلي أن أطلب غيرها. تعليمات أبي الصارمة تلاحقني «يا غريب كون أديب».
الخوف الثاني أنني دائمة القلق من لقاء المدن لأول مرة، الوهلة الأولى، النظرة الأولى، الإحساس الأول فالمدن كما البشر لها طبائعها المتناقضة، هناك مدن ترفضك ، وهناك التي تفتح ذراعيها باتساعهما وتسقطك في وسط القلب. هي تحب أو تكره ، تحتوي أو ترفض، تعد لك فراشا أو تتركك تنام عند عتبة الباب دون لحاف.
هذا الخوف استعمرني منذ أن قررت السفر، وتمنيت بداخلي كثيرا أن لا تصد صنعاء عني بوجهها ولابعواطفها فاستقبال المدينة إن كان كارها سيجعلني أبادله الكراهية - وهذا ما لا أريد- واستقبالها المحب سيفتح كل قنوات الحب إليها.
ركبت السيارة، الشمس لم تشرق كاملة بعد ، لكن ضفائرها البرتقالية بدأت تتناثر من خلف الجبال وتصب ذهبها على أسطح البيوت الهاجعة ماتزال. الشوارع هي الأخرى لم تستقبل ضجيج الأقدام والعربات وعيناي تتأملان ما حولي في لحظة حاسمة.
> > >
عادة لا أحب المدن التي لابحر فيها، كان هذا أحد هواجسي، فالبحر- هذا العشيق النادر الدائم- يأسرني. رائحة زفرة تثير بروحي اشتهاءها للحياة رغم مصائبها، هو برأيي الرجل المتحرك، الثائر حينا، الحنون أغلب الأحيان. هو الخائن الغدار وهو الوفي المعطاء. وحيث يكون البحر يكون الحب، يكون الأمان. فكيف سأقضي أيامي في صنعاء التي بلا بحر؟ خشيت ألا أحبها وخشيت أن ترفضني، أن تتعالى عليّ وهي التي بلا بحر، أن تضغط على روحي للدرجة التي أقرر فيها أن أعود من حيث أتيت ولكن! يالسعادتي فما أن جلست في السيارة ونسائم الصباح الباردة تلسعني حتى أحسست بذلك الشعور الرهيب ، شيء مايغمرني بحنان عذب، شيء مايتسرب إلى سمعي وكأنه صوت أمي التي غابت دون أن أودعها، يهمس لي: «أهلا بك في قلبي» أحسستها بذراعيها تحتوياني وتلصقاني بصدرها.
آه ما ألذ أن تحضنك أم لحظة وصولك ونعاسك. ما أشهى أن تحس قبلاتها تدفئ وجنتيك وقلبها المفتوح يتسع لك كلك ، بهمومك الشاهقات التي لاترى بأحزانك الدامعات عصية الهطول وبفراغ قلبك رغم امتلائه.
صنعاء أحبتني منذ الوهلة الأولى- لاحقا كتبها لي صديق بإهداء كتابه - صنعاء دعتني بإصرار ورفق أن أحبها منذ أن بددت خوفي من الانتظار استللت أنفاس الراحة، انتشر بصدري التفاؤل كرذاذ بارد، تأكدت انني سأقضي الأيام سعيدة، وهيأت نفسي أن أرد جميلها منذ اللحظة الاولى أن أنسف كل عوالق الهموم الباقية، أن أصفي ذهني ليكون مستعدا لاستقبال كل جديد من ثقافة، سياحة، معرفة ومحبة أيضا.
> > >
لم أفكر يوما بزيارة اليمن، حتى حين تسنى لي أن أرافق ذات مرة بعيدة وفدا من رابطة الأدباء رفضت السفر، لا أدري لماذا- وكم أنا نادمة الآن- ولا أدري لماذا حين نفكر بالسياحة لانفكر بدون الجوار أو البلدان العربية البعيدة. لماذا نهرع إلى دول العالم ونصطفيها متصورين أنها الأجمل والأكمل والأوفى؟ ثم حين نزور بلدا لم نهتم أن يكون على خارطة اسفارنا نفاجأ ونشعر بالأسى من تقصيرنا.
هكذا جاءت الدعوة إلى صنعاء لتكون فاتحة خير، فرصة أن أرى اليمن الذي لا أعرفه ، فرصة أخرى أن أشارك في ملتقى أكبر ضيوفه الكاتب الألماني الكبير- غونتر غراس- وفرصة ايضا لألتقي بأصدقاء من اليمن وآخرين كثر يلبون الدعوة مثلي من أرجاء الوطن العربي.
اطمأننت أنني أحببت صنعاء في اللحظة الاولى وهي أحبتني ، فردت شراع روحي يحلق في فضائها وأنا أقطع الطريق إلى الفندق، رغم الإرهاق والنعاس والجوع كان حنان صنعاء يتبعثر عليّ فأدلل قلبي« آه ياقلبي لاتحزن»
وصلت إلى الفندق- تاج سبأ- الذي ظللت أنطقه- تاج محل- فيضحكون عليّ، وحين خرجت في اليوم التالي لأتمشى صباحا وأبحث عن مكتبة ابتعدت فضاع مني طريق العودة صرت أسأل المارة عن - تاج محل- ولا أحد يعرفه حتى تنبه أحدهم وهو يفغر لي خطئي: أنت غريبة ، هو تاج سبأ ورافقني حتى وصلت
كعادتي لايمكن أن أنام أو آكل قبل أن أفتح حقيبتي وأرتبها، ثم اندسست في الفراش وغبت في نوم عميق لم أصحُ منه إلا في الثانية عشرة والنصف. ماذا ينتظرني في هذا المتلقى؟ بحثت عن الأخت الشاعرة أمل جبوري «لم أكن أعرفها من قبل» هي المسئولة التي يجب أن أراجعها، استلمت ملف الملتقى والبرنامج والتقيت ببعض المنظمين: الشاعر علي الشلاه والشاعر اليمني- الوديع- أحمد العواضي وغيرهم ممن سخّروا أنفسهم لخدمة الملتقى وللضيوف.
عادة أكره الفنادق الكبيرة، أكره وجبات البوفية المتشابهة، لكن مايحدث أننا نخضع لهذه التقاليد الواردة، عادات استبدتنا وساهمت أن تفرض علينا قوانينها فرضينا بها، بل ربما حرصنا عليها بعد أن «أترفنا النفط». كان الجوع أخذ مني مأخذه، فأكلت بشراهة ضاربة بالريجيم عرض الحائط.
باب اليمن يفتح باب الحب والحسرة
كنت قد وصلت صنعاء قبل الوفود كلها، ذلك بسبب ان الطائرة اليمنية تغادر من الكويت يوم 7/1 أو أن اغادر على الطائرة يوم 31/ 1 وتكون عندها قد بدأت فعاليات الملتقى. لذلك غادرت مبكرة وكان هذا من حظي لأكون حرة في الأيام الاولى، ألتقط ما أشتهيه من جولات في المدينة القديمة وأسواقها. ويالتلك المدينة واسواقها فلا تلوموني إن كتبت بهذا العشق عن اليمن. ففي قراها البعيدة واحياء صنعاء القديمة ببيوتها الطينية.
المتلاصقة شبه كبير بالكويت القديمة، تلك البساطة في البناء، الروح الخالية من سيطرة الحديث والتزويق المفتعل، ثوبها القديم يطغى بلونه ورائحته وعفويته. الاطفال يملأون الأزقة الضيقة يلعبون حفاة احرار من التجمد امام الانترنت وغيرها من الالعاب التي فصلت اطفالنا عن حضن الأهل حظائر المعيز والابقار والدجاج قرب البيوت تفوح روائح خيرهم والنساء جالسات على دكة البيوت تواكب انظارهم فلول السياح القادمين المنبهرين بكل شيء.
تشبعت بهذا العطر الذي لايختلف عن روائح الكويت القديمة ذلك الزمان الذي مضى وترك في العمق حناءه وأوشامه الجميلة وذكرياته ليس المكان وحده بل هو الانسان اليمني الطيب الخلوق البسيط بساطة الماء في الجداول، المعبق طيبة كما الرغيف الساخن يخرج من قلب التنور، الانسان اليمني ظل نقيا لم تلوثه الحياة بعد، لم يكسر صلابة روحه الترف الزائف ولم يتغلغل حقد المدن الحديثة إلى قلبه فيفسد روحه المجبولة بالطيبة والتواضع والامانة، ولست أبالغ في هذا فشعب اليمن الشقيق ليس غريبا عنا نحن الكويتيون فمنذ أن وعيت وأهل اليمن يعيشون ويعملون في الكويت وكان لهم سوق «سوق المهرة» الذي كنا لا نستغني عن الشراء منه حتى بعد أن من الله علينا بالخير وكانوا مسالمين لم يحدث أن اشتكى احد من وجودهم، لامشاكل سياسية ولا أخلاقية آمنون في وجودهم ائتمنهم الكويتيون على بيوتهم وأموالهم ، وقد عرف عن اليمني أمانته ووفاؤه لكل بيت عمل فيه. هناك شيء ما يجذبك إليه وكأن ضفيرة من الاطمئنان تجدلك به. أحببنا اليمنيين في بلدنا وهناك في اليمن احببناهم أكثر ، أحببنا الشعر اليمني وحفظناه واستقبلنا شعراءه الكبار في محافلنا الثقافية كالشاعر الراحل الكبير عبدالله البردوني. أحببنا الفن الشعبي اليمني ورقصاته المميزة أحببنا الغناء اليمني بكبار مطربيه مثل أحمد قاسم، أبو بكر سالم، كرامة مرسال، عبدالرب إدريس وغيرهم.
في اليمن لاتقابل وجها إلا وتحبه، يستقبلونك بابتسامات حقيقية تعكس فرح قلوبهم، لا يعرفون المجاملة في الحب ولا في التعامل يفرحون بالضيف، يتحسسون مشاعره تجاه بلدهم، يسترسلون في الحديث فلا تحس حواجز سوداء أو بيضاء تفصلك عنهم. يحبون الكويت حبا حقيقيا بعيدا عن السياسات المدمرة والمواقف الطارئة في جلساتنا مع كل الوفود العربية الأخرى يعبرون عن هذا الحب والتقدير ويعترفون بما أهدتهم الكويت من مدارس ومستوصفات ومستشفيات وجامعة وغير ذلك.
وإن كان العتاب قفز مني رغما أننا الكويتيون تأثرنا من موقف 1990، لكننا لانحمل حقدا ولاعقوقا تجاه اليمنيين، فالرابطة عميقة متجذرة والقلوب التي لايسكنها الشيطان لا تعرف الكراهية.
لقد ظللنا الحب هناك، أحسسناه وحملناه معنا زادا، فرحا وحزنا ايضا لأننا بعد ذلك فارقناه، ولم تخجل العين من دمعتها لحظة الفراق.
كانت الجولة الاولى في المدينة القديمة «باب اليمن» هذا الباب الذي كان الامام يغلقه ويضع مفتاحه تحت رأسه وينام ولايهمه إن تعطلت حياة الناس وأرزاقهم.
حين دخلته شعرت بالفرحة تذكرت سوق دعيج وسوق واجف في الكويت القديمة وملأتني الحسرة على تلك الاسواق التي أزالوها، وكانت تشبه هذا السوق رغم فارق المباني القديمة والآثار لحضارة أصيلة حافظوا عليها فصارت قبلة للسائحين من أرجاء العالم ومصدرا من مصادر اقتصاد البلد وإن كانت كل اسواق المدن القديمة تتشابه إلا أن هناك فروقات تترك لكل سوق خصوصيته المتفردة في بنائه وبضائعه.
وسوق باب اليمن يشتهر بالفضة من مصاغات وأوان جميلة وكذلك «بالجنابي» قديمها وما صنع حديثا منها وبالشالات المطرزة تطريزا دقيقا بألوان مدهشة ومنسجمة، بالبخور والمباخر والعسل الدوعني ويحتار السائح ماذا يحمل معه كل شيء يغري بالشراء حتى المكنسة الخوصية البسيطة التي لم تسلم من رغبتي في اقتنائها فحملت واحدة معي .
في السوق تتناغم أصوات الباعة، يؤهلون، يرحبون يدعونك دخول حوانيتهم دون ان يزعجوك بالالحاح اللزج كما في بعض المدن الاخرى .
اليمني أبيّ النفس رغم حاجته للزبون ان دعاك وتجاوزت حانوته لا يغضب وان دخلت عنده ولم تجد حاجتك يدلك بصدق على حانوت آخر يبيع البضاعة التي تريدها ولا يخلو طبع اليمني من الطرافة والفطنة فهو ذكي بالفطرة يفهم الاشارة بلبابة نادرة وهو مثله مثل كل فحولات الرجال العرب يعشق الجمال يهدي كلمات الغزل الجميل لكن دون وقاحة ولا خروج عن الادب ولا يستغل الزحام لتمتد كفه بحركة شائبة .
ما ضايقني في البدء انهم حسبوني أجنبية فكان الغزل بلغات عديدة التقطوها من السياح ورفعوا سعر البضاعة ، وما ان تكلمت العربية حتى تغير الحال وأرضى غروري .
وفي السوق اليمني كما في الاسواق العربية القديمة الممتلئة بالسياح، الفصال في الشراء يجعل السعر غير ثابت وان كان اليمني لا يتهاون مع السائح الغريب إلا انه مع العربي غير ذلك فهو كريم وبعد ان تشتري حاجتك منه يقدم هدية صغيرة بحجمها كبيرة في معناها .
سوق باب اليمن من الاسواق المذهلة التي لا يمكن لك ان تمل منها او تنساها لا يمكن لشيء ان يعبر عينيك عبور الكرام ، كل لقطة ترسخ جمالها في عدسة عينيك وانت تلتقطها بعدسة الكاميرا ، كل جماليات البناء يتشبع بها وجدانك العاشق لكل قديم لم يفسد .
كل رائحة غريبة أو أليفة تفوح من الحوانيت ، من الارض المتربة من الناس الذين يمرون تزاحمهم ويزاحمونك. روائح لا تثير التقزز والضيق ، وبصدق أقول لم تلفتني ظاهرة الروائح البشرية في اليمن كما يحدث في المدن والبلدان الاخرى ، لم أنفر لأنني لم أشتم ما ينفر وان كان الشكل - الفقير ربما - يوحي بذلك، حيرتني هذه الظاهرة ، وان كان من السخف أن أتحدث عنها ، إلا انها ظاهرة أحسها غيري من الوفود .
الزيارة لذلك السوق لا تشبعك ، تجد نفسك مشدودا للتجول فيه ثانية ، هناك أسواق أخرى تعج في الليل بروائح الخضرة والفواكه والبهارات ولا تفقد فيها إلا مقاهي الرصيف التي تقدم الشيشة ويبدو انها لا تلقي الاهتمام الكبير من اليمنيين ، وقد يكون القات - هو الأثير بطقوسه المعتادة ، لكن الحاح من يطلبها يتحقق لأن اليمني صاحب المقهى البسيط لا يريدك ان تغادر مقهاه ولك أمنية فيه لم تتحقق.
رحلتي إلى اليمن -2-
بيت ماركو وعرس الشيراتون
دعتني الصديقة الشاعرة أمل جبوري لسهرة في بيت سبق أن تعرفت عليه في زيارتها السابقة ، ، اعتذرت لأنني لست مدعوة فأنا أنتقد من يدخل بيوت الناس بلا دعوة أو يفرض نفسه على ملتقى ثقافي دون دعوة، وهذا يحدث - من بعض الكاتبات بالذات - مما يحرج المنظمين ويزعجهم ، لكنها أكدت لي أن اصاحب البيت قال لها أن تعزم من تشاء. وحمدت الله أنني وافقتها ورافقتها ، لقد عبرت إلى أجواء ساحرة في بيت ماركو العجيب.
وماركو هذا خبير إيطالي في فن العمارة الطينية ، يعيش لسنوات طويلة في اليمن، فقد كان والده طبيب الإمام الخاص، اختار هذا البيت الرائع بطرازه اليمني القديم ولم يفسده بأثاث حديث . لا نجد سوى: المطارح، الوسائد والسجاد ، حتى معلقات الضوء سراجات قديمة، وتوزعت على الطاولات شمعدانات قديمة شموعها أضفت جوا رومانسيا. امتلأت أرجاء البيت ذي الطوابق الثلاثة بتحف نادرة خشبية وفضية ، أبواب قديمة ، صناديق،أوانٍ ومرايا ولوحات.
إنه بالفعل متحف يحوي حضارة اليمن وتقاليده، لا مكان لأي جديد تنفر منه العين ويكسر جماليات العمارة، الحركة تغدو صعبة لكثرة الأشياء، حين تجولت فيه أرهقني السؤال : كيف تتم عملية التنظيف خاصة وأن زوجته لا تشاركه الإقامة في اليمن . لم أترك السؤال يرهقني - كعادتي - سألته فضحك طويلا قبل أن يجيبني:
يحتاج البيت لشهر كامل لتنظيفه لذلك تتغير العاملة في بيتي سريعا، لا أحد يحتمل هذه المشقة.
كان ضيوف ماركو كثيرين ومن جنسيات مختلفة ومن أهل اليمن .كان د. عبد الكريم الارياني - المستشار السياسي لرئيس الجمهورية - وكان مدير المتاحف والسفير الألماني وسيناتور صقلية وابنته المستشرقة ( فرانشيسكا قوراه) وخليط من العرب والفرنسيين والنمساويين والألمان، بعضهم عشق اليمن واستقر بها، وبعضهم يتواصلون سنويا بالزيارات إليها لشدة إعجابهم وعشقهم .
وإن كان ماركو قد تشبع بالطبائع العربية وأتقن اللغة إلا أنه تمسك بعادة من عادات الأجانب الجميلة فالمائدة بسيطة رغم تعدد أصناف الطعام ، لا بذخ ولا إسراف في كميات الأكل . كان تعليقنا - نحن العرب - أنه لو كانت الدعوة في بيت عربي لطبخ أضعاف عدد المدعوين وأسرف . لقد أكلنا جمعينا وشبعنا وفاض القليل أيضا.
في ذات الليلة كانت أمل مدعوة إلى عرس يمني وطلبت مني أن أرافقها ، قبل أن اعترض أكدت لي أنها اتصلت بأهل العرس ورحبوا بحضوري.كانت فرصة ذهبية لي أن أرى العرس اليمني لكن فجيعتي كانت كبيرة ، إذ كان الحفل بالشيراتون، ولا شيء من الطابع القديم، لا الغناء ولا الرقص حتى ثوب العروس وبدلة العريس، وأكثر ما أحسست به من حرج أن العرس كان - نسوياً - وكل النساء منقبات بالسواد ما عداي، ما جعلني أبدو نشازا ، وأسفت أنني تركت بيت ماركو الذي أشاع الفرح والراحة بروحي ،فقد قتل عرس الشيراتون تلك الفرحة.
***
في الليلة التي وصل فيها وفد " مؤتمر الديمقراطيين العرب" طلب من منظمي ( ملتقى الرواية العربية والألمانية) أن ينتقلوا بوفدهم إلى فندق آخر يبعد عن قلب المدينة وحركة أسواقها.
شعرت بالحقد أن يحتل السياسيون مكان المثقفين ولم أخجل أن أبدي استيائي وأنا أرافق وفدا عربيا في المصعد، فاعترض أحدهم : وهل تتصورين أن الوزراء غير مثقفين ؟ قلت : قليل من الوزراء العرب - خاصة وزراء الثقافة - من يتسمون بذلك . هناك اعتبارات عديدة لاختيار الوزراء لا تكون ثقافتهم من أولوياتها . وبقدر استيائي من تغيير الفندق لأن هذا سيضطرني لمحنة إعادة أغراضي إلى الحقيبة ثم إعادة ترتيبها هناك إلا أنني - ورغم حقدي على الوزراء المحتلين - شكرتهم بحرارة حين وصلت واستقريت بالفندق الجديد " فندق شهران " الواقع في ضاحية " حدة" إحدى ضواحي صنعاء الهادئة ، والذي يحوي 35 غرفة فقط ، وهو مبني على الطراز اليمني القديم وفيه كل ما قد يتمناه الإنسان في الفنادق الكبيرة من الإبرة حتى الإنترنت.
في مدخل الفندق تجلس" شرطيتان " يمنيتان مهمتهما تفتيش الداخلين، كان الوفد معفيا من التفتيش، ولو فُرض علينا لما اعترضنا عليه ، فمصائب الإرهاب التي انتشرت في وطننا العربي والعالم بأشكاله المتعددة يجعل الاحتياط واجبا. كنا نشعر بالأمان ،ليس بسبب التفتيش ولا لأن سيارات الشرطة تتقدم الحافلات لتفسح لنا الطريق،بل كنا نشعره لسبب واحد، أن اليمن بلد آمن نتجول فيه ليلا كمثل النهار دون خوف حتى وإن تأخر بنا الليل، وكان هذا الإحساس بالأمان مريحا تماما كما وأني في الكويت الآمنة.
لفت نظري ونحن في الطريق إلى فندق شهران،ذلك الجبل الغريب المنقسم وكأنه صدر امرأة ،فقيل لنا أن هذا المكان يدعى - النهدين - نسبة لشكل هذا الجبل وهناك مكان يدعى - ردفان - لابد أن جبله يشبه الردفين، وآخر يدعى - عيبان - ولا أدري ما اقترفه جبل ذلك المكان من عيب . ومكان آخر يدعى - كوكبان - ربما لأن جبله برأسين يضيئان كالكوكب، أسماء فيها شاعرية الضوء والجنس والجمال وأي جمال أحلى من أن تشبه الجبال بالنساء والكواكب . وقد لفتني أن الأسماء على وزن - إنسان - أكيد أن الإنسان اليمني الذي لم يفقد إنسانيته البكر ولا عذوبة روحه يستحق هذا البلد رائع الجمال - اللهم لا حسد.
يوم السبت كان يوماً مميزا. في الساعة العاشرة صباحاً قمنا بزيارة لمركز الدراسات والبحوث اليمني الذي يرأسه الشاعر الكبير د. عبد العزيز المقالح والداعي أيضا لهذا الملتقى ، هذا الشاعر العذب الذي كان حريصاً على الالتقاء بكل وفد يصل حتى وإن كان في وقت متأخر من الليل يأتي الفندق، يرحب بنا ويثلج قلوبنا بهذا الود، كان حريصا على راحة الوفود لم نشعر بأي نقص أو تقصير أو إزعاج .كل الموظفين كانوا نشطاء في تحقيق الراحة والسعادة لكل فرد منا.
استقبلنا د. المقالح في مكتبه بهدوئه الشديد وبحزنه الذي أثار فضولي، حزن شفيف يبدو في العينين وفي الصوت . هل هو حزن الشعراء أم حزن الإنسان ؟ هل هو حزن ولد معه واعتاده أم هو حزن سببته ويلات الحياة وهمومها ؟ فضولي يتعبني في كثير من الأحيان بل يقلقني ويلح عليّ، فإن أرضيته بطرح الأسئلة وسمعت الإجابات أخرسته وارتحت منه ، وإن لم أحقق له هذا يظل يقلقني وقد تمضي شهور وسنوات قبل أن يلقى الإجابات وأرتاح منه.
بعد أن شربنا القهوة اليمنية والشاي في مكتبه ، قمنا بجولة في أرجاء مكتبة المركز المليئة بكل أصناف الكتب، قديمها وحديثها ، عطور الثقافات من كل الجهات والاتجاهات الفكرية ،عربية وعالمية تثير عبقها فينتشي العقل حتى دون أن يتيح الوقت فرصة لتقليب كتاب أو قراءة تعريف على الأغلفة الأخيرة . شعرت بالحزن والمسئول عن المكتبة وأرشفتها يقول: ليس لدينا شيء من كتبك ، فأعلمته أنني أحضرت معي مجموعة كاملة مهداة إلى المكتبة ،وطمأنت نفسي أن كتبي ستحظى بالشرف الكبير حين تجد لها مكانا بين روائع إبداعات الإنسان من كل مكان.
* غداء يمني..
دعانا بعد ذلك د. المقالح إلى وجبة الغداء ، في داخلي تحسست من الدعوة، قلت يا ويلتا من أكل الفنادق وبوفيهاتها المتكررة. شعرت بالشبع قبل أن تتحرك بنا السيارات ، لكن ما إن رأيت المكان حتى اجتاحني جوع شرس .لم يكن فندقا ،كان مطعما بسيطا مختصا بالأكل اليمني ، بدأ بأقراص الخبز" الملوج "وتتالت الأطباق " العقدة وهي طبق من الخضار المهروس باللحم ، ثم : "السحاوق" وهو الجبنة المهروسة بالبسباس - الفلفل الحار - ثم الأسماك المقلي منها والمشوي المفتوح ما يشبه - المسقوف العراقي - أنواع السمك متعددة ، البياض والمرجان وغيرها مما لم أحفظ اسمه ، لكنني التهمت منه الكثير رغم أنني لا أهوى السمك وأنا ابنة البحر وذلك بسبب عقدة سببتها لي زوجة أخي في الطفولة، عقدة تنتصب كلما رأيت السمك على المائدة لكنها - أي زوجة أخي - لم تفلح هذه المرة في نصب العقدة ، أما الحلو فكان طبقا يسمونه " القصعة" وهو خليط من الخبز المفتت وعليه الهيل ثم طبقة من العسل الطبيعي.
أضيف لأجواء الطعام اللذيذ جو أنس شفاف حين أبدعت الفنانة اللبنانية جاهدة وهبي ذات الصوت " الكلثومي" الرخيم، فغنت لليلى مراد وأم كلثوم ما شنف الآذان وأسعد القلوب، كان وجودها في هذا الملتقى مبعثا لإشاعة الفرح ، وقد دعيت لتؤدي فقرات الحفل الذي احتفى بالكاتب الكبير غونتر غراس ، حيث أدت من شعره وشعر د. المقالح والشاعرة أمل جبوري ومن ألحانها أجمل القصائد.
* التجربة القاتية..
بعد الغداء والراحة في الفندق ، توجهنا في الساعة الرابعة إلى - مقيل - د. المقالح بدعوة كريمة منه ، سعدت بهذه الدعوة سعادة كبيرة ، فقد كان لدي فضول كبير وشغف عجيب لمعرفة طقوس المقيل، والتعرف على هذا الذي تتفرد به اليمن ، وتهدأ فيه فترة القيلولة هدوءا ملفتا، ما هو شكل النبتة وما طعمها ؟ وكيف " يخزن في الفم لساعات طويلة؟ ما تأثيره على الإنسان سلباً أو إيجابا ! ما هو مفعوله عليهم رجالا ونساء ؟ هل هو نوع من المسكرات المحرمة أو لمجرد المتعة كالشيشة؟ أسئلة كثيرة كانت تراودني مسبقا ، وها قد جاءت الفرصة لأرى بأم العين ما يطفىء لهيب الأسئلة .كل واحد من الوفود كان يسأل الآخر : هل سبق وأن جربت هذا وهل تنوي أن تجرب ؟ تفاوتت الإجابات لكن المحك كان حين ولجنا - المقيل - الذي امتلأ بنا وبمن سبقنا من شخصيات ثقافية وسياسية وشعراء وغيرهم ، المكان واسع ، الجلوس على الأرض فوق المطارح والشجيرات توزعت أمام الجالسين.
أول ما بهرني شكل النبات كنت قد تصورته أشبه بالبقدونس أو الكزبرة بالحجم وشكل الورقة ، لكنني رأيته مختلفا هي أغصان من شجر طويل ( رأيته لاحقا في أحد البساتين ) الأوراق السفلى كبيرة وصلبة ،والأعلى صغيرة طرية وكأنها زهرات النبتة وهي التي تخزن وتخرج العصارة.
هناك مثل في إيطاليا يقول : إذا كنت في روما فافعل ما يفعله الرومان "، الفضول الإنساني لا يقف عند حد ،وفكرة التجريب لكل جديد لا تترك لك خيارات إلا أن تجرب ،وخاصة أنه ليس نوعا من الحشيش أو الأفيون.
تلامزنا وتهامزنا وتشاورنا بالهمس قبل أن نقدم على التجربة . ما كدت أضع وريقتين صغيرتين وأمضغهما حتى شعرت بالطعم المر ينتشر في فمي رغم عطر النبتة المقبول " بصقته بورق الكلينكس فلم أكن مقتنعة بمهمة" المباصق " الموزعة أمامنا .فعملية " البصق العلني" فيها لم تعجبني وقد أثارت لدي بعض التقزز.
ليس المقيل وقتا للتخزين فقط ، إنه أشبه بملتقى أدبي وسياسي ،وربما في صفته العامة يشبه الديوانيات في الكويت والتي لا يسمح فيها بوجود النساء.
في المقيل تتشعب الأحاديث وطرح الآراء وتتناقض السياسات وتستعرض الإصدارات الجديدة ويتم الحوار حول كل الشؤون والقضايا . ولأن مقيل د. المقالح يستقبل ضيوفه المدعوين ، فقد كان لنا نحن النساء حظوة في دخوله ، ولأن اغلب الضيوف لم يزر اليمن من قبل فقد ارتأى صاحب الدعوة أن يعبر كل منا عن مشاعره الخاصة لهذه الزيارة ،هكذا بدأنا.
وكان من الشعراء الموجودين من عبر شعرا مما صاغه جديدا أو مما كتبه في زيارة سابقة ،وأبدع بذلك الشاعر الكبير سليمان العيسى . ساد جو الحب والتنافس في إعلان المشاعر الصادقة ، فأنت في اليمن لا تجد نفسك مضطرا للمجاملة الفجة لأنك حقيقة تحس بالحب لهذا البلد ولأهله ، ولأنهم يتعاملون بصدق فلا تسول لك نفسك أن تكذب عليهم وتخدعهم بالكلمات فهم فطنون أذكياء ولا يغرهم الثناء الذي لا يأتي من القلب.
* مقيل النساء..
لا يقتصر - مقيل القات - على الرجال وحدهم ، ولأن الاختلاط غير وارد فقد اهتمت النساء بإقامة- مقائلهن الخاصة- التي يتجمعن فيها .هكذا دعيت وزميلاتي الكاتبات " لمقيل نسوي ثقافي " ضم العديد من المبدعات ، شاعرات ، قاصات، روائيات ، فنانات تشكيليات ، باحثات وأستاذات في الجامعة . أغلب تلك الوجوه كنا نلتقيها في ملتقى الرواية لكننا تشككنا بمعرفتهن داخل بيت المقيل فقد تغيرت الأشكال والملامح ،في الملتقى محجبات ولا أثر للمكياج على وجوههن وفي المقيل كان الجمال الإلهي المستور يكشف عن نفسه بالملابس الزاهية وتسريحات الشعر.
ومقيل النساء لا يختلف عن مقيل الرجال ، الجلوس على المطارح الأرضية ، النبات بأكياس النايلون الشفافة بعكس مجلس الرجال حيث توضع مثل - مداور الجت - أمام الجلوس . "للمرأة دائما تفانينها" النساء بالتخزين ، بعضهن اعتدن عليه والبعض الآخر لا يمارسنه . البعض يؤكدن أن للقات مردودا إيجابيا على المرأة أكثر من الرجل ،والبعض لا يؤثر عليهن ويمارسنه بفعل العادة.
لم أجد رغبة في التجريب ثانية ، لكن الإلحاح جعلني وزميلاتي نجامل الداعيات بشيء بسيط سرعان ما بصقناه.
ولا يقل مقيل النساء المبدعات عن مقيل الرجال المبدعين أهمية فهن لا يسرقن الوقت كله للحديث الاعتيادي أو إلقاء الطرائف، بل يقرأن الشعر ، يتبادلن الإصدارات ، يناقشن كل ما يهم المرأة والمجتمع من قضايا . ثم لا يمنع الأمر من بعض الطرب والرقص " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة " ولا حرام في ذلك.
قضينا ساعتين في مقيل النساء، وغادرنا إلى الملتقى سريعا فقد كانت الجلسة الأخيرة وقراءة البيان الختامي بانتظارنا . عدنا محملات بإصداراتهن الجديدة وهداياهن أيضا.
رحلتي إلى اليمن (3)
السفر إلى حضرموت
لم نكد نرتب حقائبنا في فندق شهران الجميل ونرتاح حتى فوجئنا بطلب ترتيبها مرة أخرى ، فغداً نغادر إلى حضرموت ، وحين نعود إلى صنعاء سننتقل إلى فندق آخر - الشيراتون - لعله الشيء الوحيد الذي كان يعكر صفو الرحلة ، فالانتقال من فندق إلى آخر بالنسبة للضيف ليس أمراً سهلاً ، فقد كان لدينا كميات من الكتب ، سواء كتبنا التي حملناها لنهديها أو تلك التي أهديت لنا خلال الأيام الثلاثة ، ثم تلاها بعد ذلك ، هذه الكتب احتاجت لإضافة حقيبة أخرى مما ضاعف الحمل وزاد في تعب الترتيب وقد لا تشكل العملية هماً للرجال - المحترمين - فهم بالطبع لا يحتاجون ما تحتاجه النساء - المحترمات أيضاً - من ملابس وأغراض ،( ونثريات نسائية) ، نحرص عليها لتكمل الأناقة .
كثيراً أتمنى لو أسافر بلا حقائب ، أرتدي بنطلون ( الجينز والتي شيرت )، وحذاء الرياضة ، وأظل طوال الرحلة حرة من كل شيء ، لكن هذا مستحيل أن يحدث ، خاصة وقد مررت بتجربة مريرة يوم وصلت اسطنبول ذات مرة ولم تصل الحقيبة ففسدت كل رحلتي رغم أنني اشتريت الضرورات من هناك .
الحقيبة صديقة رغم متاعبها ويدرك قيمتها من تضيق حقائبه ، الطريف الذي حدث في الرحلة أن حقيبة الأديب الجزائري مرتاض عبدالملك لم تصل ، وحقائب الروائي العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي وصلت قبله ، فقد تأخر عن الوصول أياماً بسبب مشاكل الفيزا ، وظللنا نمازح مرتاض الذي هو معروف بأناقته أن يرتدي ملابس عبدالرحمن فيقول : هو طويل وأنا قصير !! ثم أنه أبدى نشاطا كبيرا ، وكان رب بيت ناجح ، يغسل قميصه وجواربه وملابسه الداخلية ليلا ويلبسها في اليوم التالي ، قال : في الأمر مشقة كبيرة ، قلت : حتى تعرفوا أنتم الرجال ما تقوم به المرأة من مشقات .
في اليوم الأخير للرحلة وصلت حقائبه ، كان يحمل لأصدقائه مثلي وغيري كمية من برتقال الجزائر الكبير ، لكن البرتقال فسد وبدا مرتاض في الليلة الأخيرة سعيدا بأناقته الجديدة .
كان علينا أن نغادر الفندق إلى المطار في السابعة صباحاً ، ورغم أننا لم نكن قد شبعنا من النوم بعد ، إلا أن الوفود كانت نشيطة ، ملتزمة بالمواعيد ، فالأجانب بطبيعتهم حريصون على النظام ، ونحن بدورنا العرب أردنا أن نثبت بأننا شعوب حضارية تحترم الوقت ، كان للانسجام والحب والألفة بين الجميع دور كبير في جعل أجواء الرحلات سعيدة ولطيفة ولأجواء الملتقى حميمية ونشاط .
" لا تعرف صديقك إلا في السفر " لم يكن بين الوفود من هو نشاز أو ثقيلً أو متعال أو حاسد أو متذمر من أبسط الأشياء ، ولا أنكر هنا أن الموظفين المناط بهم التنظيم كانوا يساهمون في تسهيل العوائق وإشاعة الراحة في نفوس الجميع .
من الطائرة تأملت صنعاء الحنونة ، شعرت حبال وصل متينة تربطني بها ، ماذا صنعت بي صنعاء ؟؟ ماذا غرست بقلبي من شتلات ؟؟ وما الذي ستحفره بقلبي بعد ذلك من ذكريات وجمال ؟؟ وما الذي سأشاهده في مدينة سيئون وشبام وتريم ليجعلني أغطس أكثر في حب اليمن وأهل اليمن ؟؟
***
يبدأ التفاؤل من الفندق ، كان المقر- قصر الحوطة أو الحوطاء -، الذي يذهل من اللحظة الأولى قصر بني من الطين والطمي ، يبرز فن العمارة العريق في وادي حضرموت ، يقع وسط واحة من النخيل مغطاة بالأشجار والخضرة ونماذج من النباتات المحلية النادرة ، في ممراته الواسعة والضيقة تكشف فنون العمارة وأناقة الأبواب القديمة ، أما الغرف فهي غاية في الجمال ، كل ما تشتهيه النفس من جمال الأثاث ، صندوق قديم ، أريكة عربية مفروشة بالسجاد اليمني ، والنوافذ صغيرة يعتليها تاج الزجاج الملون ، مما يضفي على الغرفة أجواء الخيال الشهرزادي ، ولا ينسى اليمنيون أصول الضيافة ، كل فندق دخلناه نجد طبق الفاكهة والحلوى وقوارير الماء .
أما الملاحظة الهامة التي أسعدتني في اليمن هو الحرص على وجود (الشطافة اليدوية) ، ليس في الفندق فحسب ، حتى في المطاعم وأماكن السياحة مما وفر لنا الراحة الجسدية والنفسية .
كل الفنادق كانت رائعة في خدماتها وجماليات القديم فيها وفي بوفيهات الوجبات الثلاث ما عدا فندق شيراتون الذي استأنا منه جميعاً ، وما حدث لي في اليوم الأول يشير إلى سوء الخدمات ، فقد تسلمت مفتاح غرفتي ، صعدت ، دسست المفتاح في شق الباب فانفتح وإذا بشخص يسكن الغرفة ، فوجئ بي وهو( نصف عار) ، اعتذرت أنهم أعطوني هذا الرقم ، غضب - ليس مني - أصر أن ينزل معي إلى مكتب الاستقبال وهناك غسل المسئول بغضبه وهذا من حقه طبعاً .
الفندق هدية الكويت إلى اليمن ، وأتمنى على أصحابه أن يجتهدوا في تنظيمه وإضافة الأشياء الضرورية إليه ليكون بمستوى فنادق اليمن الجميلة والمريحة .
بعد الاستراحة توجهنا في العاشرة إلى مدينة شبام للاطلاع على المعالم الأثرية والعمرانية القديمة ولقاء غونتر غراس ببعض أساطية البناء المختصين بالعمارة الطينية ، ومدينة شبام منطقة في محافظة حضرموت يسكنها 50 ألف نسمة ، فيها أربع تجمعات حضرية واحدة منها هي المدينة التاريخية التي تعدها منظمة اليونسكو تراثاً عالمياً نادراً .
عليك أن تقطع المسافة مشياً على الأقدام في أزقة ضيقة ترابية تصطف البيوت الطينية على جانبيها ، وطبعا يحتفظ كل بيت بحظيرته ، رائحة التراب المتطاير وروائح الحظائر تنتشر ، لكنك أبداً لا تشعر بالضيق ، فبالك واهتمامك ينصب على جمال العمارة وما حولك من أطفال ،كثيرون ،ذكوراً وإناثاً لا أحد يقلق، جمعهم ويفرق بينهم باسم العيب أو الحرام ، طفولة تنشأ سليمة في التعرف على بعضها دون خوف أو عقد أو عصي تلسع القلوب .
تجولنا في المكان ، دخلنا أحد البيوت القديمة الأشبه بمتحف ، لكن ارتفاع الدرجات وضيق المكان جعلني وبعضي من يعانون ضيق الشرايين بسبب التدخين ، جعلنا نكتفي بالدور الأول ، خرجت إلى الأطفال ، جلست معهم على دكة أحد البيوت ، صورتهم وتصورت معهم ، حاورتهم ، طلبت منهم الغناء فغنوا وغنيت معهم .
كانت معي الفنانة اللبنانية جاهدة التي كانت حريصة جداً من الأتربة المتطايرة حتى لا يتعب صوتها ، رغم ذلك غنت مع الأطفال ، لاحظت أن أكثرهم حفاة يغطي التراب تفاصيل أقدامهم ، ولم أستغرب ذلك ، فقد كانت طفولتي في الكويت القديمة مشابهة لطفولتهم ، أخذنا من الأرض مناعة وجلدا ، اعترضت فقط مرة على أحد الآباء وهو يمسك بكف طفله الصغير ونحن في سوقطرى الأرض جبلية قاسية ، قلت له : لماذا تدعه يمشي على هذه الأرض حافياً ؟ غضب من سؤالي وقال : هذا ابن الجبل لا تهمه قسوة الأرض ، ربما هو على حق ، فلا تأتي صلابة الرجال إلا من صلابة الأرض ، وتذكرت مثلاً تونسياً ((ما يتفرس إلا إذا تهرس )) أي لا يصبح فارساً إلا إذا هرسته الحياة .
والأطفال حولي تغمرني السعادة ، طلبت منهم أن يغنوا أغنية وطنية ، ففوجئت بهم ينشدون أغنيتنا " يا كويت يا رمز الحياة ، كلمة جريئة شعلة مضيئة يا كويت " ضحكت وجاهدة ، قلت لهم أريد أغنية وطنية يمنية ففعلوا دون أن أحفظ الكلمات ، ثم سألتهم أن يقرأوا ما يحفظونه من سور القرآن الكريم ، وكنت أقرأ معهم ، وحين تلكأ أحدهم بآية الكرسي أكملتها عنه فاستغرب وقال : كيف وأنت كافرة تحفظين القرآن ؟ قلت وكيف حكمت علي بأنني كافرة ؟ قال : لأنك تخرجين دون حجاب ..
قد يفرح الآن المتزمتون أن طفلاً يعطيني درساً في الإيمان ، لكن ما حدث بعد ذلك سبب لي رعباً تجاه هذه الطفولة البريئة حين سألت الأطفال : هل تفرحون بقدوم السياح ؟ صرخوا بصوت واحد : نعم نفرح بالسياح العرب ، قلت : والأجانب : صرخوا جميعاً : لا .. لا هؤلاء كفار ، من قال لكم هذا ؟ قالوا : المطوع يقول ، سألتهم هل تعرفون سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ هل تعرفون سيدنا موسى عليه السلام ؟ أجابوا بنعم ، فأكملت : وما هو كتاب عيسى وموسى : أليست التوراة والإنجيل ، كتب هذه الرسل ، وهؤلاء من تسمونهم كفاراً هم من أهل الكتاب الذين دعا ديننا الإسلامي الكريم أن نتعامل معهم معاملة حسنة ونحترم أديانهم ومشاعرهم ؟ تألمت لهؤلاء الأطفال ، ماذا غرس المطوع وسواه في عقول الأطفال هنا وهناك في كل بلداننا العربية الإسلامية ؟ أي زرع سيفجر ألغام الإرهاب والأحقاد والكراهية التي تنشر سمومها بين البشر وتعطل ركب التطور والتقدم وتثير الحروب والويلات ؟ حزنت على الأجيال القادمة ، تلك الورود التي يمتصون عطر عقولها ليملأها برائحة البارود .
بعد هذه الجولة وبعد وجبة الغداء توجهنا إلى مدينة تريم لمشاهدة القصور الطينية ومعالم المدينة الأثرية ، وتعتبر هذه المدينة من أشهر المدن اليمنية التاريخية التي تزخر بالموروث الثقافي المتنوع ، لذلك اندرجت ضمن المدن التاريخية اليمنية في قائمة التراث العالمي ، وحظيت باهتمام المنظمات الدولية.
حين زارها الكاتب الكبير غونتر غراس في العام السابق قرر أن ينشئ مدرسة لفن العمارة لتخريج أجيال تعتز بتاريخها وتواصل البناء الطيني واختار مركزاً لذلك في قصر السلام أطلق عليه "مركز غونتر غراس للعمارة الطينية" وقد تم الافتتاح في الساعة الرابعة والنصف عصراً بكلمة من د.عبدالكريم الإرياني ، ثم كلمة غونتر غراس .
بعد ذلك استمعنا إلى الشعر الشعبي ثم استمتعنا بالموسيقى والرقص اليمني الشعبي الشهير ، كان اليمنيون حريصين على التعريف بفنونهم شعراً ، غناء ورقصاً في كل تنقلاتنا من مدينة لأخرى كانت تستقبلنا الفرق الشعبية بأهازيجها وفرحها مما يثير البهجة في قلوب السكان وقلوبنا ، تلك البهجة كانت كفيلة أن تنسينا تعب التنقل وصعوبة المشي على التراب والأحجار .
في مدينة تريم عدد كبير من المساجد الطينية القديمة التي تشتهر بها المدينة ، ولذلك قامت الباحثة المعمارية ريم عبد الغني زوجة الرئيس اليمني السابق علي ناصر بإعداد كتاب علمي تاريخي عن المساجد يحتوي على مقدمة تاريخية عن حضرموت ، ومنها( تريم) وتوثيق شامل لجميع المساجد التي تتجلى من خلالها عظمة وروعة فنون المعمار الطيني وعبقريته ، كمنارة المحضار التي تعتبر أعلى منارة طينية في العالم ، سيصدر الكتاب خلال الأشهر القادمة ليقدم نموذجاً لنشاط واهتمام المرأة واعتزازها بتراث وطنها .
اليمن تهدي الفرح
لا يترك لك اليمنيون مسافة ما بين الفرح والفرح ، الكرم والكرم ، يأخذونك حيث لا تدري وتفاجأ بالمكان ، كل يوم مفاجأة وكل رحلة اكتشاف وكل اكتشاف إضافة للعقل والقلب والوجدان وإثراء لزمن قادم نكون فيه أو لا نكون ، لكنه يبقى عبر الكتابات لأجيال قادمة نتمنى أن تحب أوطانها وتبذل روحها لأجل أن تعيش هذه الأوطان بخيرها ، سلامها ، أمانها ، حرية إنسانها ، وحرية فكرها .
في اليمن نسيت كل أحزاني ، نسيت وجه رجل أحببته وما يزال يتربع في قلبي وقلب أولادي ، لأنني هناك أحببت كل الوجوه فاتسع القلب لها ، وأحب كل الأمكنة ، فتمددت بروحي على عشبها وترابها وحنان قلوب ناسها الذين كانوا كرماء في هداياهم في كل مكان نزوره ، كما كانوا كرماء بالحب والترحيب .
سقطرى المفاجأة
ماذا ينتظرنا بعد ؟ كان يوم الاثنين 12/1 هو يوم المفاجأة الكبرى ، يوم الأحلام والجمال ، كان السفر إلى جزيرة سقطري الحالمة وسط المحيط ، أقلتنا طائرة خاصة إلى هناك ، في داخلي توقعت شيئاً كبيراً ، فقد اعتدت خلال الأيام السابقة أن أتوقع كل جديد مثير ، كنت واثقة أنهم لا يتعبوننا بالسفر والتنقل لأجل شيء اعتيادي رأته العين في أسفارها أو قرأت عنه .
من المطار ركبنا سيارات الجيب التي كانت مهيأة بالماء وعلب الكلينكس فهي ضرورية للطريق الذي استغرق ساعتين ونصف ، قطعنا المسافة المرصوفة أولاً بمدة ربع ساعة ، ثم أخذ الطريق شكلاً آخر ، السيارات تسير على الحجارة والصخور في طرق ضيقة رهيبة بين الجبال والبحر والأشجار ومنظر الوديان المخيف تهزنا هزاً لا رأفة فيه ، وتمتلئ أنوفنا وصدورنا بغبار الأرض لكننا ننسى التعب وغصتنا في التراب ، فقد هبطنا من الطائرة إلى قطعة اقتطفها الله الحنون من الجنة وأهداها إلى اليمن التي تستحق الهدية .
آه يا سقطرى ! ماذا فعلت بي ؟ يا حلماً لم يراودني يوماً ، يا شادية بين الجبال العالية ، يا صمت البكارة الخجلى التي لم تمسها فحولة المدينة وأنيابها ، ضاوية بالغيم ، معربشة بالأخضر والأزرق ، ناعسة تحرسها جبالها ، رجالها الشاهقون العاشقون ، ونخيلها المحتار ما بين نسمة تزف إليه الندى وريح تزأر في قلبه ، يستقبل أطفالك السياح بتلويحة أكفهم السمراء ، أبرياء من سموم المدن وصراعات جشعها غيومك إكليل الجبال وحصاك نعالها الحنون.
كيف يا سقطري انبثقت من جوف الأرض ؟ أمرجان أنت تحدى العمق وانفرش جميلاً ؟ أم لؤلؤة نادرة عافت صدفتها لتتعرى طامعة بصدر السماء وشفاة القمر ؟ هل أنت جنية البحر أم تراك عروسته التي تاقت روحها إلى الضياء ! كم أنت باهية رائعة كقلب الأم حين يحتضن ابتسامة الطفل البكر .
سقطرى ، واحة أنت في قلب البحر يؤمها العطاشى والحالمون والمبدعون ليحفروا أسماءهم على لحاء أشجارك النادرة يسجلون تواريخ القدوم ، كم تراهم سينتظرون حتى يسجلوا تواريخ الزيارة القادمة ؟
تلك بيوتك تغفو على سهام الريح صيفاً ، تشق عباب أذنها تسافر في خلجاتها الساكنة ، تزعزع أشجار قلبها الغافية ، تشعل فتائل الحب فتفور نيران الأجساد المتعبة ليولد كل يوم أقمار ونجوم .
بيوتك تشم كل فجر رائحة التنور وأقراص العجين المخمر بانتظاره ثغور الأطفال الناعسين ، تكفكف الأم جوعهم وتنثر للطيور بقايا الفائض من خبز يابس ، ويا لضفافك الزرقاء تورق أجمل الدرر ، صخورك الحمراء والبيضاء ، قواقعك ، مرجانك ، قلوب نساء تترامى مكشوفة لفضول العيون ، تتشهي الأكف أن تلمسها ، تسرقها وتخبئها ، تهرب بها بعيداً لتكون تحفاً ترص على المناضد والرفوف ، لكن عيون حراسك واعية تحميك ، تصادرك (1) فيبكي كل من فقدك .
إيه سقطرى : من لي ولو بخيمة صغيرة أسكنها هنا بين بحرك والجبل أو تحت "دم الأخوين" (2) في - حم حل - (3) أصلي لبهائك ولله الذي صنع هذا الجمال ، فكي يا سقطرى حبالك كلها وضفائرك ، قيديني بها ، أسجنيني في قلبك ، لا أريد حرية الدنيا كلها ، أريد قيدك ، سجنك .. آه كم يكون السجن شاسعاً وسعيداً في قلبك ؟ أي حجة إذن أبتدعها لأظل في حضنك ؟ هل أحب رجلاً فيك لأبقى ؟ أم أتحول رجلاً لأحب امرأة فيك وأبقى ؟ لن تثمر أحلامي بالبقاء ، لقد خلقك الله بعيدة ليعبرك السائحون والعاشقون ويرحلون لكي لا يلوثوا طهارتك وجمالك .
سقطرى : يا بهاء الدنيا ، كحلها ، فضتها ، زينتها ، ورودها والينابيع ، أحبيني مثلما أحببتك ، ناديني مرة أخرى لأرتدي من غيمك سترة طفولتي المحرومة ، وصباي السجين وعمري الذي يشيخ الآن ، افرشي لي عشبك ورملك ، دثريني بشعر نخيلك الحنون ، سربي إلي أحلام نساءك الصامتات أتجول في جنانها ، ألتقط لي زوادة للرحيل ، كم أحبك وأنا في قلبك الآن ، وغداً حين أكون بعيدة عنك سأحبك أكثر وكل السنين القادمة .
سقطرى : أنت في البحر قلب أم وفي القلب أنت أشهى الرجال ، أودعك الآن وأنسى قلبي كله بين ذراعيك ، صكي عليه ، قبليه كل ليلة ليظل يخفق فأعيش حتى وأنا بعيدة عنه .
* روائية كويتية
1- سقطرى محمية لا يسمح للسياح بأخذ شيء من روائعها البحرية النادرة.
2- دم الأخوين شجرة هابيل وقابيل .
3- حم حل : المنطقة الأعلى في الجزيرة التي تغدينا بها .
رحلتي إلى اليمن - الحلقه الاخيره .
حلم لاينسى
لا وصف ولا كلام يكفي ويعطي جمال هذه الجزيرة حقها ،حتي الشعر لن يفيها هذا الحق.
توقفت بنا السيارات، كان المكان معدا، تحت الأشجار فرشت الأبسطة والوسائد.
توزعنا في المكان مثل الطيور تتقافز من جمال إلى جمال، رذاذ مطر خفيف ونسمات لاتثير قشعريرة البرد بقدر ما تضاعف النشاط والرغبة في تكشف كل شيء كبير أو صغير.
تناثرنا نلتقط الصور مسحورين مذهولين لانصدق إلا أننا في بقعة من بقاع النعيم كان شجر «دم الأخوين» ينتشر حولنا.
تلك الشجرة الغريبة المنفرشة الأوراق كأنها رأس أنثى صفف شعرها أمهر الحلاقين.
حين توخز جذع الشجرة بأظفرك أو بعود يسيل الدم الأحمر، بعضهم يعبئه في زجاجات وبعضهم يكتفى بتذوق طعمه وتصويره.
أشجار أخرى غريبة ضخمة الجذع قليلة الأوراق، ما إن توخز حتى تنز ماء ذا رائحة زكية.
لم يهدأ فضولنا إلا حين جاء وقت الغداء، قبله استمعنا إلى الشعر السقطري من شعرائه الكثر، وكان هناك من يترجم لنا فاللهجة السقطرية لها خصوصيتها ونغماتها.
بعضهم قال أنها أقرب إلى لهجة - المهرة، في الشعر السقطري رومانسية وعذوبة وهو مسخر للحب فقط، الحب للإله، للمرأة، للأرض وللجمال ،ولكن! أين سيذهب هذا الشعر إن ذهب شعراؤه؟.
فضولي المعتاد دفعني إلى السؤال، لمحت الحزن بعين أحد الشعراء ،قال: «ليس من يهتم بطباعة هذا الشعر، نحن نكتبه على الورق، نلقيه في الأماسي، يحفظه من يحفظه وينساه من لايملك ذاكرة قوية.
كم نتمنى أن نجد الجهة التي تحافظ عليه ،كم نتمنى أن ينشأ لنا مقر نتجمع فيه نحن الشعراء وغيرنا ممن يبدعون بفنون أخرى» ،ومني بكل تواضع إلى من يهمهم أمر الثقافة والإبداع والحفاظ على التراث أن يهتموا بشأن هذا الشعر ليبقى كما بقيت الآثار والفنون الاخرى.
وأتمنى لو حقق الله لي الأمنية وزرت سقطري مرة أخرى ان أرى مقرا لمبدعيها.
كنا نتضور جوعا بسبب طول الرحلة ،وبدأت جملة «هذا الشكل فأين الأكل ؟» تتناقل بيننا، ثم سرعان ما أعلن جوعنا عن نفسه فأبدينا رغبتنا في الطعام.
جاءت الصواني الكبيرة ممتلئة بالأرز تتربع عليه رؤوس وكبود ولحوم الخرفان الصغيرة، صواني أخرى بها الأسماك المقلية والمشوية ، علب البيبسي والميرندا وقوارير المياه المعدنية، واندفعنا كالأسود إلى الموائد ، ما كدنا ، حتى ظللتنا أجنحة الطيور الكبيرة التي انحدرت من السماء ،افترشت المكان من حولنا وبدأت تتلقف ما نرميه نحوها من زوائد الطعام منظر ولا أجمل ،سألت عن اسم تلك الطيور فقالوا إنها «السويعدو» طيور شقراء تشبه النسور لكنها أليفة ،كنا نتمشى بينها أو نحاذيها فلا تطير.
كما كان ذلك النهار فريدا، يوما رائعا ومبهجا ،كم تمنينا لو كان في الجزيرة فندقا آخر غير الوحيد فيها لنسكنه نحن من عشقنا الجزيرة وارتوينا من أكسجين جوها النظيف.
بعد الشبع من الطعام وليس الشبع من المكان انحدرنا بالسيارات نحو البحر ويا له من بحر ! صرخت: البحر البحر واندفعت إليه حافية غير آبهة بوخر بدائعه المتناثرة التي تغطي الأرض فلا مكان للرمل على هذا الشاطئ.
وبجنون الدهشة والرغبة في اقتناء بعض النوادر من الأصداف والقواقع والحصى والصخور تحركت روح السائح لدينا، بدأنا نجمع ،بعضنا يعبئ جيوبه وبعضنا يعبئ الحقائب والأكياس، فرحين كل الفرح بما تحظى به أيدينا ،لكن يا فرحة ما تمت ، جاء حراس الشاطئ يعتذرون لنا بأدب أن نعيد كل ما جمعناه من ثروات نادرة ،هذه الجزيرة محمية ولايسمح بأخذ شيئ منها ولو أصغر الأشياء، احترمنا التعليمات واهتمام الحراس وبحزن شديد أعدنا المواليد الجميلة إلى أحضان أمها الشاطئ وأبيها البحر.
هل أعترف الآن ولا أعاقب ؟ لم أستطع إلا أن أحتفظ بشيء من سقطرى الجميلة وساحلها الأجمل ، خبأت في كفي صخرة صغيرة على شكل شجرة وأخرى على شكل مسلة ،سيغفر لي اليمنيون سرقتي البسيطة حين يعلمون ان سقطرى قد سرقت قلبي، بل سرقتني كلي.
لحظة وداع الجزيرة كانت لحظة قاسية، أنت هنا لاتودع مكانا عاديا ولا بقعة من بقاع الدنيا التي تتشابه ،هنا تتفرد الجزيرة بجمالها.
لا أحد يشبه سقطرى ولا جمال يضاهي جمالها ولا حنان يغمر مثل حنانها للدرجة التي يخونك صوتك ،يترغرغ بدمعك وأنت تودع أهلها وشعراءها، تشكرهم على كرم الحب، والضيافة، ستجد نفسك تغادر بحزن يوازي الفرح الذي زرعته في جنائن قلبك لحظة الوصول ،ستحس بسحرها يرافقك ،يسكنك ،يدغدغك.
ليست هي أرض بل حبيب سقطت في عشقه ولم يسم عليك أحد، وحين تقلع بك الطائرة وتلمحها وادعة من البعيد سيتأكد لك أن هذا الحبيب لن يفارق مخيلتك ولا قلبك وأنك ستظل تحلم وتحلم متى تعود إليه مرة أخرى.
> > >
في مفاجأة أخرى يأخذنا برنامج الملتقى إلى زيارة لأحد قصور «الإمام» القديمة، تستقبلنا فرقة شعبية تثير كل ما اختزنته الذاكرة وظنت أنها نسيته.
أغانٍ يمنية قديمة تدفقت في لحظة فشاركنا في الغناء، رقصات شعبية بالزي اليمني رجالا ونساء، رقص متقن لا تبذل يغري على المشاركة رغم صخور الأرض المعيقة.
هناك ستجلس على سور واطئ لتتأمل بذهول شكل القصر المرتفع النابت فوق صخرة من صخور الجبال .
ستتمنى - إن كنت مثلي لاتستطيع الصعود إلى الأعالي - لو كنت طيرا لتحط في آخر طابق شاهق حيث يلوح لك الآخرون من صعدوا رغم التعب.
قصر كان يحوي الإمام ونساءه وحاشيات الحراس والخدم ،ينام شعبانا متوسدا مفتاح المدينة غير عابئ بما يعانيه الشعب ، ثم «على الباغي تدور الدوائر» فيصبح هذا القصر وسواه معلما أثريا يؤمه السياح وهم يلتقطون الصور وعبير الحرية التي تسود البلاد بعد زوال الأغلال.
كان الغداء كريما ولذيذا تتخلله الموسيقى من الفرقة اليمنية ومن صوت جاهدة التي أتحفتنا بغنائها.
بعد هذا الكرم الغذائي كان بانتظارنا كرم آخر من الداعي وزير الثقافة والسياحة الأستاذ خالد عبدالله الرويشان الذي قدم للنساء عقود الفضة وللرجال علب العسل الطبيعي.
كما أهدى الوفود مجسما صغيرا لقصر الامام ،هكذا تتلاحق الهدايا الكريمة علينا من كل مكان نزوره.
ولن أنسى هدية الشاعر الكبير د.عبدالعزيز المقالح التي يقدمها في اليوم الاول لوصول كل وفد، مبلغ من المال عبارة عن - بوكت موني - مصروف جيب - وهذا تقليد اعتدناه من بعض الدول تجاه ضيوفها ،لكن ما حدث في اليمن لنا كضيوف لايحدث هنا لضيوف الكويت حيث تسلم الهدية للضيف في اليوم الأخير لزيارته مما لايتيح له أن يشتري حاجة نقصته أثناء إقامته أو يشتري شيئا يذكره بالبلد التي زارها.
وإن كان المثل يقول: أنا غنية وأحب الهدية» فقد انطبق هذا على الجميع، فرحنا بالمبالغ وطبعا سرعان ما تبدد على المشتريات المغرية.
حين تسلمنا المبالغ وقعنا على ورقة الاستلام - وهذا تقليد سائد إذ أن من يقدم المبلغ ليس واهبه بل أحد الموظفين - الذي حدث أننا قبل التوقيع كنا نتحدث مع مجموعة من الأخوة العراقيين عن أوضاع العراق سابقا ولاحقا ،وجيء على ذكر الوثائق التي ستفضح كل شيء بما في ذلك دناءة بعض المثقفين والمفكرين والأدباء ممن كانوا أبواقا لصدام ونظامه ،من باعوا ضمائرهم فزوروا الحقائق، ساندوا الطاغية في ظلمه ونسوا الشعب العراقي الذي لن يغفر لهم مواقفهم المخجلة.
كان سؤال إحدى الزميلات الكاتبات: هل سيكون توقيعنا على استلام المبلغ إدانة بأننا نقبض لنكتب ؟ لا ألوم زميلتي في سؤالها، لكن الوضع هنا يختلف تماما عما كان يمارسه نظام العراق البائد.
فهذا المبلغ معنوي وهدية بسيطة يقدمها كل بلد لضيوفه.
هي ليست سيارات مرسيدس فخمة ولا ساعات ذهبية فاخرة ولا مبالغ كبيرة تحول بالدولار لحساب المطبلين.
كان صدام يقدم رشاوى لكن اليمن لايحتاج أن يرشونا لنكتب عنه أو نجامله.
فما رأيناه من جمال البلد وحضارته وتراثه ومن ثقافته وفنونه، وما لمسناه من حب ورعاية وتقدير يدفعنا - دون فرض من أحد - أن نكتب بحب صادق واعتزاز كبير بهذا البلد وناسه الطيبين الكرماء.
دعوات أخرى لبيناها ،دعوة رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال الذي كان بيته أشبه بمعرض للفن التشكيلي، سبقتها دعوة مدير غرفة التجارة حيث القصر الفخم الذي تجاوز العمارة اليمنية ليكون حديثا بمبناه وأثاثه.
قصر فاخر أنيق يبعث على الراحة بألوانه المنسجمة مما أثار شهية الأجانب لتصوير كل ركن فيه.
أمسيات الموسيقى والشعر والغناء صاحبت برنامج الرحلة السياحي والثقافي.
في حديقة فندق البطحاء كانت الأمسية تحت ضوء القمر الذي رأيته في اليمن لأول مرة.
هل كنت غافلة عنه أم مشغولة بقمر آخر أهداه لي صديق فأضاء عتمة قلبي ؟ غنت ليلتها جاهدة وهبي أشعار غونتر غراس والمقالح وأمل جبوري.
وفي الليلة الأخيرة بدأت الفرقة اليمنية وصلتها ثم بدأت قراءات غونتر غراس لشعره باللغة الألمانية ،وقامت الشاعرة أمل جبوري بالترجمة الفورية.
كانت الموسيقى والشعر والغناء تغذي أرواحنا وتخفف عنا تعب التنقل وجلسات الملتقى وتقرب وفود الملتقى القادمين من بلدان وثقافات مختلفة.
أو بعد هذا يأتي من يحرم هذه الفنون الإنسانية الجميلة ويتهم من يمارسها بالزندقة والكفر ؟؟.
> > >
ذات مساء سرقنا ساعة من برنامج الرحلة ،ذهبنا مجموعة من الأصدقاء الأدباء والشعراء لنزور المتحف ذا البناء المذهل .
كان قصراً قديما لأحد الأثريا أيام «الإمام» أبقى عليه اليمنيون ليكون تحفة معمارية وثقافية.
تجولنا بعد ذلك في السوق وجلسنا في مقهى نحتسي الشاي اليمني ونتبادل أحاديث ثقافية كنا بحاجة إليها،ولا يخلوا الأمر من بعض «النميمة البريئة».
إن كنت في اليمن فستكون سعيدا للدرجة التي لاتفكر فيها بسماع أخبار التلفزيون المحشودة بالمصائب وأخبار التفجيرات وصراعات الدول لأنك لا تريد لشيء أن يفسد عليك رحابة السعادة.
لقد طوقتني اليمن بسياج من الورود والفرح جعلني أنسى الاتصال اليومي بأولادي كما أفعل في كل أسفاري، حين فعلت بعد أيام شعرت بالقلق مستبدا بهم.
قلت لهم كلمة واحدة: أنا في الجنة. ومن في الجنة لايفكر بأهل الأرض حتى وأنتم أولادي. تركت هاتفي النقال مفتوحا بعد ذلك ليتصلوا بي.
هكذا هو اليمن الساحر، وهكذا هم اليمنيون، الأصالة والكرم، أدهشتنا بلادهم الجميلة ودهشنا بناسه الأجمل.
أو بعد هذا نتساءل لماذا وصفت هذه البلاد باليمن السعيد ؟ إنها تهدي السعادة لكل من يزورها ،ولاعجب إن أحببناها لأنها أحبتنا.
ملأت قلوبنا بورودها وعطرها وروائح تراثها الأصيل.
تأكدت ان اليمنيين يحبون بلادهم ،يعشقونها للدرجة التي يبذلون قصارى الجهد ليحبها الآخرون.
وقد قدموا صورة مشرفة لبلدهم وللإنسان فيها.
لم نأخذ مأخذا ولو صغيرا على اليمنيين ممن تعاملنا معهم بحكم الملتقى أو من مررنا بهم مرور الكرام في الأسواق والأماكن التي زرناها.
لم يعكر صفوي في هذه الرحلة إلا ما حدث لي في فندق الشيراتون، هذا الفندق المليء بالنواقص الأساسية مثل مكتب وصالون كوافير وشطافة الوضوء ! وأسوأ ما يشوه مدخله تلك الرافعة الحديدية الغليظة التي يتدلى منها حبل مهلهل وكأن كلبا طاح فيه عضا.
كنت أكره هذه الرافعة دون سبب واضح ،لكن السبب حدث قبل اليوم الأخير أثناء خروج الباص من باب الفندق، وكنت أجلس ناحية اليمين في الكرسي الأول - كعادتي دائما لأتمكن من التصوير بالفيديو - فجأة حدثت ضربة قوية ،تفجر الزجاج بجانبي وتطايرت شظاياه الكبيرة والصغيرة.
للوهلة الأولى جمدت الدماء بعروقي، تصورته هجوما إرهابيا، حتى رأيت الرجال تتراكض وأحدهم يرصخ: «فك الحبل عن المرآة».
كان حبل الرافعة - الذائب - قد علق بمرآة الباص، لم ينتبه السائق، تحرك فهوت الرافعة على النافذة بجانبي وهكذا تغطيت كلي بالزجاج ومفاصلي ترجف من الخوف.
لن أنسى لهفة كل من كان في الباص ولا خارجه علي، نفضت نفسي من الزجاج ،حمدت الله على سلامتي، حمدته أكثر عل حب الناس لي، فلم يخيب الله أمنيتي أن أكون ذات يوم كاتبة محبوبة.
ماذا عن «ملتقى الرواية العربية الألمانية» الذي دعيت إلى صنعاء لأجله ؟ لهذا مجال آخر في الصفحة الثقافية لأنه ملتقى يستحق الكتابة عنه وإن باختصار.
دقت ساعة الرحيل، كنت ما أزال أعيش سحر «سقطرى» بدأت أصابع الحزن المعذبة تطاردني حتى تسربت إلى قلبي.
كم هو مؤلم حزن الفراق، لكنه رغم ذلك لم يؤرق فرح الأيام الجميلة وذكرياتها.
ظلت ممدة متشعبة في القلب الذي لا ولن ينسى.
لم تكن الرحلة مجرد أيام قصيرة، بل كانت عمرا من الطواف حول الجنة وفي قلبها.
كانت حلما نادرا سيظل ضوؤه وعطره ورذاذه يبلل جفاف الأيام والسنوات القادمة، وسيظل يقرصني بالعتاب الشديد: «لماذا لم تفكري بزيارة اليمن قبل هذه الدعوة؟» آه كم أنا نادمة.
ودعت صنعاء حزينة، كانت أذرعها الحنونة تشد علي وهي تشيعني إلى المطار.
لا تود أن أرحل ،تهامسني أن أبقى، لكنها «سنة السفر» ذهاب وإياب.
هنا نخلف حزنا نترك أثرا، ومن هنا وهناك نقطف شتلات الحب والمعرفة.
نواصل حمل زوادة الأسفار ولا نندم.
حين جلست على مقعدي في الطائرة انحدرت دموعي ساخنة ،نظرت من النافذة، أدركت أنني حين دخلتها - جاهلة - بها ما كنت أدري أنني على مشارف حب كبير.
إن قلب المرأة لايعشق سوى الرجل، لكنه هذه المرة عشق اليمن.