ابو قشعم
29-07-2009, 11:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم:د . يحيى هاشم حسن فرغل
********@ hotmail .com
في سياق حالة الانهزام الحضاري والفكري التي غطت أذهان قادة الفكر والمثقفين وأشباههم في العالم الإسلامي منذ حوالي القرن التاسع عشر كانت مسارعة بعضهم إلى استبعاد بعض الثوابت العقدية والأحكام الشرعية بدعوى يقينية العلم التجريبي وظنية الأحكام الشرعية أو بعضها . وانطلاقا من تلك الهزيمة أيضا – أمام زحف الدجماطيقية العلموية سارع بعضهم إلى تنحية حكم الشرع في مسألة إثبات النسب بطريق " الولد للفراش " ،مع أنه حكم الوحي الذي لا ينطق عن الهوى روي البخاري ومسلم وغيرهما, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إليه انه ابنه, انظر إلي شبهه, وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله, ولد علي فراش أبي, فنظر الرسول, فرأي شبها بينا بعتبة.. فقال: هو لك يا عبد بن زمعة, الولد للفراش وللعاهر الحجر, ثم قال لسودة بنت زمعة : احتجبي منه يا سودة بنت زمعة , فلم ير سودة قط.. قال الإمام ابن حجر في فتح الباري : ( حديث الولد للفراش، قال ابن عبد البر : هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ،جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة ، فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة ، وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة: وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأبو أمامة وعمر بن خارجة والبراء وزيد بن أرقم . وزاد شيخنا عليه : معاوية وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك ، وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة ، ووقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري ووائلة بن الأسقع وزينب بنت جحش ) . وذكر الإمام ابن حجر في فتح الباري (وقد اتفق الفقهاء على أن ابن الزاني لا يلحق به ، لأن النسب نعمة، والزنى جريمة لا يمكن أن تترتب عليها هذه النعمة. وطالما أن الولد ولد على فراش الزوجية الشرعية، فهو ينسب للزوجين.) ( قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس , من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سودة بالاحتجاب منه , وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها , ولهذا قال " الولد للفراش " , قالوا : فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه ؟ ) ثم يقول مفسرا ذلك : ( وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يدل على أصل ، وهو تبعيض أحكام النسب : فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ، ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه للفراش ، فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها ، وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة . وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلا الأئمة المطلعون على أغواره المعنيون بالنظر في مأخذ الشرع وأسراره ومن نبا فهمه عن هذا وغلظ عنه طبعه فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور ، وليست بنته في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية . وبالجملة : فهذا من أسرار الفقه , ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام , وترتيب مقتضى , كل وصف عليه . ومن تأمل الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها . …… . فإن قيل : فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث " واحتجبي منه يا سودة فإنه ليس لك بأخ " ؟ قيل : هذه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها ، ولا يعارض بها ما قد علمت صحته ، ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه : أنه ليس لها بأخ في الخلوة والنظر وتكون مفسرة لقوله , " واحتجبي منه , والله أعلم .) والخلاصة في خاصة موضوعنا : أننا هنا أمام قيمتين معروضتين لبناء الحكم الشرعي على إحداهما في إثبات النسب : قيمة الاستدلال بالعلم التجريبي ( القافة أو الحمض النووي) من جهة وقيمة التعاقد ( الفراش - الزواج ) من ناحية أخرى والسؤال: أي القيمتين أقام عليها الرسول الحكم الشرعي وأيهما أسقط ؟ والجواب شديد الوضوح : إنه أقام حكمه على قيمة التعاقد ، ( الفراش – الزواج - ) وهي جوهر القضية وهي نسيج العلاقات الاجتماعية على جميع المستويات . لذا حكم بإلحاق النسب بالفراش ( التعاقد ) بالرغم من تعارضه مع الوسيلة التجريبية وأسقط وسيلة العلم التجريبي – أي في باب إثبات النسب – وهي نشاط إنساني لا غنى عنه لكن في مجال آخر ، ومنه على سبيل المثال بعض جوانب التحقيق الجنائي . وفي هذا السياق فنحن مع ما قرره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة بخصوص ما قرره في أنه ( لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبــات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص ) إن الخروج على الحكم الشرعي في هذه القضية يظهر في إحدى صورتين : في إسقاط حجية الفراش ( التعاقد ) ، وفي إقامة حجية الحمض النووي ( العلم التجريبي ) إن الخروج على الحكم الشرعي باعتماد الحمض النووي في إثبات النسب سوف يترتب عليه ما يأتي :
أولا: الإسقاط الصريح للحكم الشرعي : الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش ، وللعاهر الحجر " وهو من باب الأحكام الشرعية التي تنتظم الحقوق والواجبات ، وإسقاط هذا الحكم ليحل محله " الحمض النبوي " الذي هو من قبيل الوسائل لا من قبيل الأحكام قلب للأوضاع إذ الوسائل إنما تأتي لخدمة الأحكام لا لتحل محلها .
ثانيا : إزالة إحدى المعوقات الطبيعية في طريق الزنا بتشريع يزيد الزانية اطمئنانا إلى اطمئنان ضمنه لها القانون العلماني سلفا بإلغاء عقوبة الزنا المقررة شرعا
ثالثا : إسقاط القاعدة النبوية الشرعية : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) ، نتيجة إرغام " منكر النسب " على تقديم " البينة " بإجراء عملية تحليل الحمض النووي ، وهي قاعدة قانونية ، يسقط بسقوطها الهيكل القضائي كله
رابعا : الخروج الصريح على تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أسقط القافة شديدة الوضوح - المعادل الموضوعي للحمض النووي في باب إثبات النسب .
خامسا : التحايل على إسقاط العقوبة الشرعية المقررة في حال قذف أحد الزوجين الآخر بالزنا ، وهو اللعان ، وإحلال ما يسمى الحمض النووي محله أو بالأحرى تقديمه عليه
سادسا : التفرقة بين متماثلين في المركز القانوني : الولد المنكور نسبه في حالة ادعاء الزوجية وإن لم تثبت الزوجية ببينة أو إقرار والولد المنكور نسبه في حالة الزنا الثابت ببينة أو إقرار وذلك بإجراء التحليل – حسب الفتوى - في الأول دون الثاني وكلاهما في وقوع نكران النسب عليه سواء
سابعا : التفرقة بين مثماثلين في المركز القانوني : في زواج لم يثبت ، وزنا قد ثبت
وذلك بإجراء التحليل – حسب الفتوى - في الأول دون الثاني ،
وكلاهما في وقوع تهمة الزنا عليه سواء .
ثامنا: التعرض للدفع بعدم الدستورية بناء على أولا وثانيا وثالثا ،ورابعا ، وخامسا
تاسعا : فوات الغرض المقصود من إثبات نسب الولد برفع شأنه اجتماعيا ، إذ بهذا الإجراء يقع التشهير بأحد الوالدين أوكليهما ، و من ثم إثبات الرذيلة قضائيا وإذاعتها اجتماعيا ، بالنسبة لمجموع من يهمهم الأمر في الأسرة .
عاشرا : ستنشأ بمرور الأيام عادة فحص الحمض النووي لإثبات النسب وهذه نتيجة خطيرة بالنسبة لحقوق المرأة والطفل والمجتمع جميعا ، وقد يسعى إليها في الخصومات الرجل ، كما قد تسعى إليها المرأة ، وقد ينتج عنها :
ا- إلحاق نسب ولد الزنا للزاني من امرأة متزوجة إذا أثبت التحليل أنه من ماء الزاني.
ب- نفي النسب عن ولد من امرأة متزوجة إذا أثبت التحليل أنه ليس من ماء الزوج .
ج - فتح باب واسع للفجور بمساندة المرأة الزانية في إلحاق وليدها بمن حصلت مواقعته إياها
د – فتح قيعان جهنم تحت أقدام المحصنات عندما يتعرضن لدعاوى إنكار نسب مواليدهن وهي الدعاوى التي يشجع عليها تقنين الاحتكام إلى هذا " الحمض " وهي دعاوى يتوقع رفعها والتلاعب فيها من أصحاب المصلحة سواء من الزوج أو من الورثة ولا يفيد في هذا الصدد ما يقال من فرض عقوبة على منكر النسب إذا أثبته التحليل ، أو مدعي النسب إذا لم يثبته التحليل : إذ يكون له أن يتعلل بالشبهات والشكوك والشواهد والقرائن وماذا تفيد العقوبة بعد أن تلوثت سمعة المرأة
حادي عاشر: فساد الاستدلال بأن ما تناولته الفتوى في الاحتكام للحمض النووي لا ينسحب بأثر رجعي على الوقائع التي حدثت قبل صدورها ، لأنه إن صح ذلك في القانون الوضعي الذي ينشأ فيه الحكم بصدور القانون ، فإنه لا يصح في الفتوى الشرعية الكاشفة عن الحكم الشرعي لمجتمع استقر فيه الإسلام قرونا قبل صدور الفتوى كما لا يصح الاستدلال على ذلك بقوله تعالى " عفا الله عما سلف" لأنه يدخل في عفو الله لا في عفو الدولة أو المجتمع
ثاني عشر : فساد الادعاء بيقينية التحليل النووي ، وذلك نتيجة وضعه بيد منظومة متنوعة من العاملين في المعامل والمحاكم بالضرورة وهم بشر غير معصومين ناهيك عما وضع في يد بعضهم – خصوصا - من إمكانية الابتزاز والرشوة والتلفيق في مجال إثبات النسب بما له من شديد الحساسية والإغراء . وشأن الفتوى كما هو معروف مراعاة مقتضى الحال في مناخ اجتماعي أصبح فيه المال رفيع الشأن ، وخراب الذمم واسع النفوذ ، ورائحة الفساد تزكم الأنوف !! . ولا عاصم من ذلك كله في موضوعنا : بغير العمل بالقاعدة النبوية : الولد للفراش ( التعاقد ) ومن أسقط التعاقد فله الحجر : فعلا بالرجم ، أو حكما بالحرمان .
ثالث عشر : خطأ وصف العلم التجريبي باليقينية بعد أن تعرى منها تماما نتيجة للتقدم العلمي المعاصر . [ والمشكلة أن الأغلبية العظمى من المفكرين المعاصرين في بلادنا يتجاهلون أنهم في تواكبهم مع العلم التجريبي الحديث - وهو غير يقيني كما سنبين - كانوا وما زالوا ذيلا لما يجري إنتاجه من نظريات في حقل الإنتاج العلمي في الغرب ، علما بأن البضاعة العلمية التي يتعاملون معها ما كانت لتصل إليهم وتنتشر في أوساطهم إلا بعد بوارها وإنتاج غيرها في أسواق إنتاجها ، مما لم يصل إليهم خبره بعد ، وهذا ما حدث لهم في زعمهم " المتخلف " بيقينية قوانين المنهج العلمي التجريبي ، ومن ثم يقينية الاحتكام إلى الحمض النووي . وهذا هراء انقضى زمنه وإن لم يعلموا يقول لويس دي برولي أحد كبار علماء الفيزياء المعاصرة : ( كان للحتمية في نظريات الفيزياء الكلاسيكية السيادة المطلقة ….. مع إمكان التعبير عن قوانين الفلك والميكانيكا والفيزياء بعلاقات رياضية حاسمة ،… ) الفيزياء والماكروفيزياء للويس دي برولي ، سلسلة الألف كتاب ، ترجمة رمسيس شحاتة ومحمد مرسي أحمد عام 1967 ص 219 ص 219 يقول الدكتور دين أفرت وولدردج ، الحاصل على الدكتوراه في الطبيعة من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا http://vb.ansabtamim.com/images/smilies/frown.gif .. وما أومن به هو أن هناك قوانين طبيعية ثابتة تعمل دائما بانتظام ودون أي - استثناء-) من حياة العلماء من حياة العلماء لتيودور بيرلاند ترجمة د أحمد بدران نشر دار النهضة العربية ص 3280 إن هذا الحديث عن حتمية القوانين الطبيعية التي يسفر عنها العلم بمنهجه التجريبي الاستقرائي حديث خرافة سادت زمنا ، ثم افتضحت : نجد افتضاحها في ميدان الفكر الإسلامي وفى ميدان الفلسفة الحديثة والمعاصرة وفى ميدان العلم التجريبي المعاصر على السواء . ولو تدبر القائلون بهذه الخرافة كون العلم التجريبي يقوم على الاستقراء الناقص لانحسمت القضية في كلمة ولزالت الغشاوة في لحظة هذا هو العالم المسلم جابر بن حيان ( المتوفى 198هـ / 813 م ) يرجع الاستدلال الاستقرائي إلى ( العادة ) وحدها ، وليس إلى الضرورة العقلية ، إذ ليس فيه كما يقول : (علم يقيني اضطراري برهاني أصلا ، بل علم إقناعي يبلغ إلى أن يكون أحرى وأولى وأجدر) انتهى جابر إلى ما انتهى إليه الغربيون أنفسهم من علماء القرن العشرين إلى أن قوانين العلم الطبيعي التي تتمثل في التعميم العلمي لا ترقى قط فوق كونها قضايا احتمالية ترجيحية لا تبلغ قط مرتبة اليقين ..) انظر مجلة عالم الفكر العدد الرابع يناير فبراير مارس 1973 0 مقال خصائص التفكير العلمى للدكتور توفيق الطويل ص 1121 وما قرره جابر بن حيان كرجل من رجال العلم أو الصنعة ذهب إليه علماء العقيدة الإسلامية من بعد . كذلك ذهب الإمام الغزالي إلى رفض تفسير العقليين للعلاقة السببية بين الظواهر الطبيعية . يقول الغزالي في كتابه " تهافت الفلاسفة " : ( إن الارتباط بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد في العادة مسبباً ، ليس ضروريا عندنا …… ، مثل الري والشرب ، والشبع والأكل ، والشفاء وشرب الدواء ، وهلم جرا ، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف ) . ولكن الغزالي - - يستطرد من ذلك إلى تفسير هذا الاقتران المطرد بإرجاعه إلى تقدير الله سبحانه ويقول : ( وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوي ، لا لكونه ضروريا في نفسه ) . أما في ميدان الفلسفة الحديثة فإننا نجد ديفيد هيوم يعتبر قانون العلية مجرد عادة ذهنية تنشأ عند الناس كلما رأوا حادثتين مطردتي الوقوع أو متتابعتين فنشأ من هذا في أذهانهم اعتقاد بأن اللاحق يعقب السابق . فإذا وصلنا إلى الفلسفة المعاصرة وجدنا فتجنشتين وهو من أعلام المنطقية الوضعية يذهب إلى نفس الاتجاه .حيث يرى أن جميع قوانين العلوم الطبيعية قوانين احتمالية فقط لا ضرورة فيها. ويستشهد على ذلك بقانونين من القوانين التي تعتمد عليها أغلب العلوم الضرورية هما قانون الاستقراء وقانون السببية .. منتهياً إلى أن فكرة الضرورة لا وجود لها في أي منهمـــا ففي الاستقراء ( الناقص ) يكون الحكم الذي تنتهي إليه منطبقا أيضا على حالات جزئية أخرى لم نلاحظها بعد .. وفى هذا نوع من التنبؤ بأن جميع الحالات الجزئية التي سوف نصادفها في المستقبل سوف تكون على غرار ما لاحظناه بالفعل .. فعلى أي أساس يأتي هذا التوقع ؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتوقع أن تكون الحالات التي لم يلاحظها مشابهة للحالات التي لاحظها ؟ إن الاستقراء بهذا المعنى لا يعتبر – عند فتجنشتين - طريقة صحيحة للتفكير سواء كان تفكيراً علمياً أو غير علمي هذا من ناحية مبدأ الاستقراء . أما من ناحية مبدأ السببية فإن فتجنشتين يرى أنه ليست هناك ضرورة عقلية أو تجريبية ، تبرر ارتباط ما نسميه السبب بما يسمى بالمسبب لمجرد أن أحدهما يسبق الآخر أو يتلوه. ويقول فتجنشتين ( وضرورة حدوث شئ ما لأن شيئا آخر قد حدث .. لا وجود لها ، فالضرورة لا تكون إلا ضرورة منطقية ). ويرى ( أنني حين أقول إن الحديد يتمدد بالحرارة إنما أعنى أنني أتوقع أن أجد كل جزئية من جزئيات الحديد تتمدد بالحرارة ، بناء على ما عرفته من خبرتي بالنسبة لمئات وآلاف العينات المماثلة ، فهي قوانين احتمالية فقط ، وليست بالقوانين الضرورية لأننا لو تمسكنا بفكرة ضرورة صدق هذه القوانين لكنا أشبه بمن يعتقد في صحة الخرافات ) . لودفيج فتجنشتين ص 304 - 303 ص 206 0ص 306 - 311 للدكتور عزمى إسلام ، نشر دار المعارف بمصر أما رسل فيذهب إلى أبعد من ذلك ، حيث يقول : ( كان من المعتقد فى المنطق التقليدى أن الاستقراء يمكن أن يؤدى إلى العلم ، لكن هذا كان خطأ ، لأننا نستطيع أن نثبت أن النتائج التي تستمدها عملية الاستدلال الاستقرائى من مقدمات صادقة ، هى فى الغالب الأعم كاذبة أكثر منها صادقة ) ، ثم يستبدل رسل التحليل بالاستقراء . أنظر كتابه فلسفتى كيف تطورت ص 254 وإذا كان كل من هيوم ، وفتجنشتين يذهب إلى إنكار حتمية القوانين ممثلا هذا الاتجاه في الفلسفة الإلحادية التي تظن باطلا أن هدمها لهذه الحتمية يؤدى إلى إنكار وجود الله ..{ ولمناقشة هؤلاء مقال آخر لاحق } فإننا نجد في الفلسفة الغربية من يمثل الاتجاه الإسلامي الذي عبر عنه الإمام الغزالي ، والذي لا يرى في إنكار عنصر الضرورة في الظواهرالتجريبية إنكاراً لمبدأ العلية في حد ذاته الذي عن طريقه تقوم الأدلة العقلية على وجود الله . فهذا هو الفيلسوف الفرنسي أميل بوترو(1845- 1921 ) ... يتساءل هل حقٌا قوانين الطبيعة تتسم بالضرورة ؟ وإن كانت كذلك فما مصدر هذه الضرورة ؟ أم أن الضرورة مظهر خادع ، ؟ تراث الإنسانية العدد 9 المجلد الثانى إن أميل بوترو يذهب إلى أن السبب هو الشرط ، أو مجموع الشروط التي تؤدى إلى ظاهرة معينة ...وبهذا المفهوم يكون السبب من جملة الظواهر ، فهو متغير مثلها والقانون لا يفرض فرضاً على الأشياء الطبيعية ، بل هو نتيجة لها ، وهذه الأشياء إذا تغيرت لا جرم يتغير القانون .... يقول أميل بوترو: ( لا شئ بحسب نتائج العلم نفسه يضمن الثبات المطلق للقوانين ) العلم والدين لأميل بوترو ، ترجمة د فؤاد الأهواني نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1973 ص 278-279 بل إننا نجد عند الفيلسوف الملحد رسل إنكارا لفكرة حتمية حقائق الرياضة إذ يقول: ( واليقين البديع الذي كنت آمل دائما أن أبلغه في الرياضة قد فقدته في متاهة محيرة) فلسفتى كيف تطورت ص 4 : 261. وإذا كان ذلك ما نجده في ميدان الفلسفة من " لا حتمية " القانون الطبيعي ، فإننا نجد مثله في ميدان العلماء التجريبيين أنفسهم : يقول الأستاذ عباس العقاد عن موقف العلماء التجريبيين : عاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التي تحكم الحـرارة والحـركة والضـوء ، وكل مـا في عـالم المادة من كهارب وذرات، فوجدوا لها قانونا واحدا وهو الخطأ والاحتمال .. عقائد المفكرين فى القرن العشرين لعباس محمود العقاد نشر مكتبة الإنجلو ومكتبة غريب ص 48. يقول الكيميائي الكبير برزيليوس ( 1779 - 1848 ) : ( إن كتب الكيمياء لو قيل لي عنها إن الشيطان يكتبها لما كذبت ، فهي لا تكاد تثبت على شئ حتى يتغير كل ما فيها ) بواتق وأنابيق لبرنارد جافي ترجمة الدكتور أحمد زكي ، نشر مؤسسة فرانكلين ومطبعة النهضة المصرية ص 194 ويقول العالم الفيزيائي الشهير لويس دي برولي : (.. كيف تستطيع فيزياء لم تعد تعرف حقيقة موضوعية بحتة ، ولم تعد تعرف كيف تعطى شيئا على الإطلاق سوى العلاقات بين الراصد وما يرصده أن تصل إلى صورة للكون موضوعية تماما كما يتطلبه الوصف الحتمي التام للظواهر ) الفيزياء والميكروفيزياء ص 147 0 ويقول ليونيل روبي ( لا يوجد في العلم برهان أو دليل يعتبر خاتم البراهين ، أو الدليل النهائي الذي لا دليل بعده ... وحتى الفرض الذي تأكدت صحته قد يعاد اختباره مرة بعد الأخرى . إذ ربما لا يعمل هذا الفرض في كل الظروف . ثمة عوامل غير معروفة قد تنتج نتائج استثنائية في حالة معينة بالذات ) فن الاقناع لليونيل روبي ترجمة الدكتور محمد على العريان نشر مؤسسة فرانكلين ومكتبة الإنجلو عام 1961 ص 355 : 356 ويقول جيمس كونانت مدير جامعة هارفارد في كتابه " مواقف حاسمة في تاريخ العلم " http://vb.ansabtamim.com/images/smilies/frown.gif أما عما يتنبأ به العلم أن يقع فأمر ككل أمور الحياة غير العلمية يتوقف ثبوته على ما به من احتمال ، فالمسألة على ما يظهر ليست إلا احتمالا ودرجة احتمال) مواقف حاسمة ، لجيمس كونانت ترجمة د : احمد زكي ، نشر دار المعارف ص 64. ويؤكد كارل بيرسون في كتابه الشهير " أركان العلم " احتمالية القانون العلمي فيقول : ( ليس في وسع العلم مطلقا أن يبرهن على وجود أية ضرورة كامنة في التعاقب .. فالعلم بالنسبة إلى الماضي وصف وبالنسبة إلى المستقـــبل اعتقاد ) مجلة تراث الانسانية العدد 12 المجلد 3 ص 922 ومن الآراء الشائعة الآن ، خصوصاً بعد النجاح الذي أحرزته ميكانيكا الكم : أن قوانيننا متناهية الدقة لا يمكن أن تكون سببية ، بل يجب أن تكون إحصائية . وفي هذا يقول الأستاذ ليكونت دي نوي في كتابه " مصير البشرية " : ( إن الطريقة العامة المستعملة في الفيزياء في الوقت الحاضر هي الطريقة الإحصائية التعدادية التي تعتمد على عدد كبير جداً من العناصر ..) مصير البشرية لليكونت دي نوي ، ترجمة أحمد عزت وعصام أحمد طه ، نشر دار اليقظة الغربية في دمشق عام 1963 ص 22 0 ويقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراندراسل إنه ( في الفيزياء الحديثة أصبحت القوانين إحصائية : بمعنى أنها لا تقرر ما سيحدث في حالة جزئية لكنها تقرر أشياء مختلفة فحسب ؛ كل منها سوف يحدث في نسبة معينة من الحالات ) فلسفتى كيف تطورت ص 2410 هذا ما يقرره العلم الحديث اليوم بصفة عامة . ويعلق جون كيمني – من تلاميذ أينشتين - : على ذلك قائلا : ( القوانين الإحصائية أو ما يسمى بالأحرى قوانين احتمالية … تدخل إلى العلم بسبب إخفاق جميع الوسائل الأخرى أو عندما نضطر للاعتراف بجهلنا الكامل ) الفيلسوف والعلم لجون كيمني ، ترجمة د أمين الشريف ، نشر مؤسسة فرانكلين عام 1965 ص 118 ويقول هرمان راندال مؤلف كتاب " تكوين العقل الحديث " : (إن مثل هذه القواعد الإحصائية تجعل التنبؤ والتحقق ممكنين تحت جميع شروط الملاحظة ، ولكنها تتعلق بمجموعة لا بأفراد.) . وللتدليل على أن عامل الوراثة " الجينات " لا ينفرد بالتأثير في قدر الإنسان يقول الأستاذ آشلى مونتاجيو: في كتابه الوراثة البشرية ، ترجمة زكريا فهمي ، نشر فرانكلين عام 1970(إن التطور حالة متحركة تتفاوت بتفاوت الظروف ..فالمصير الذي تئول إليه أية خلية ، وجزء الجسم الذي تدخل في تكوينه ، لا يتحددان فقط بواسطة الجينات التي تحتوي عليها هذه الخلية ، بل يتوقفان أيضا على الظروف المحيطة بها .) المصدر السابق ص101، 1020 ويقول الأستاذ آشلى مونتاجيو : (من الخطأ الاعتقاد بأن الجينات هي التي تحدد تماماً ما سوف يكون عليه شخص ما ، أو ما هو عليه بالفعل ومن ثم لا يبقي شيء يستطيع الإنسان عمله إزاء الوراثة ، والواقع أن هذه طريقة شائعة للتفكير في الوراثة ، وهى طريقة مزيفة تماماً . ومن سوء الحظ أن عدداً كبيراً من الثقات وقعوا في هذا الخطأ الذي يعرف بأسماء مختلفة هي : "المغالطة البيولوجية " أو " المغالطة الاختزالية " أو "مغالطة ليس إلا" .. إن الطبيب غير المستنير هو الذي يقول : "هذه حالة وراثية ، فليس هناك ما يمكن عمله بصددها ". ويقول مونتاجيو عن هؤلاء ساخراً : (وإذا شاء أحد أن يكون علامة لوذعٌيا ، فبوسعه أن يطلق على هذه الحالة اسم " الأديوباثية الخلقية " وتعني " العلة الخلقية" ، وهى تسمية تؤدي بالفعل إلي إغلاق الباب في وجه إمكانية عمل أي شيء في هذه الحالة . ولقد صدق من قال : إن الجدران العالية لا تصنع سجناً ، في حين تصنعه التعبيرات العلمية في كثير من الأحيان ) الوراثة البشرية المصدر السابق ص 97 - 99. ويقول مونتاجيو (إن الخطورة تكمن في الاعتقاد بأن الجبلة والفطرية مساوية للمصير، وأن نمط الجينات الذي يرثه المرء يحدد قدره ومآله . والواقع أن هذا الاعتقاد شكل حديث لفكرة القضاء والقدر ) الوراثة البشرية لآشلي مونتاجيو ، ترجمة زكريا فهمي ص 101 ويقول الدكتور مترام : (من الجلي الواضح أن مظاهر ميراثنا تتغير بفعل البيئة وأنه في وسعنا أن نضبط البيئة ونكيفها إلى حد كبير ) . الأساسي الجسماني للشخصية للدكتور ف هـ مترام ترجمة د عبد الحافظ حلمي عام 1966ص 101 وإذا كان من الممكن عمل شيء يضاف إلى عمل الجينة يراه كل من مونتاجيو ومترام في البيئة ألا يعني هذا سقوط الحتمية ومن ثم يجوز لنا من باب أولى أن نفترض تأثير الخالق المريد الذي هو الله تعالى ؟ فلا تبقى للحتمية باقية ؟ إن القول باطراد سنن الطبيعة ليس إلا اعتقاداً محضا ..وفي هذا يقول الدكتور توفيق الطويل : (يفترض العالم مقدما مدركات عقلية أو قضايا أولية يستخدمها أعم من مقدماته دون أن يعرض للبحث في صوابها أو خطئها .. فمن ذلك أن العالم الطبيعي يسلم مقدمًا - في بداية بحثه - بمبدأ الحتمية أو السببية العامة ) عالم الفكر يناير فبراير مارس 1973 ص 1120 0 وأخيرا وقد تبين أن القول بحتمية القوانين الطبيعية بعيد عن الصحة في نظر الفلسفة والعلم التجريبي على السواء ... فإنه من حسن الحظ أن تقدم العلوم لا يتوقف على هذه الحتمية خلافاٌ لما ذهب إليه المؤمنون بها .وفي هذا يقول الأستاذ فانيفاربوش رئيس مجلس إدارة معهد ماساسويتش للتكنولوجيا : (من حسن الحظ أن العمل العلمي لا ينبغي أن يكون كاملا حتى يؤتي ثمراته ، … قد لا يكون في وسع المنطق أن يتقدم إلا حيث تكون المسائل التي يتعرض لها محددة بدقة ، أما العلم فيمكنه أن يتقدم حيث يتسنى له أن يلاحظ وأن يقيس ) الثقافة الأمريكية (العدد الرابع) المجلد الثانى 15،16. بل إن الأمر على العكس مما يظنه الحتميون إذ اللاحتمية هي ما يفتح الباب لعملية التصحيح المستمر لمسيرة العلم ، وهي أمارة تقدمه المستمر أيضا ومن هنا يمكننا أن نقول - نتيجة لما تقدم - بانهيار مبدأ حتمية قوانين الطبيعة المزعومة سابقا . وبانهيار هذه الحتمية ينهار كل أساس يقوم عليه الفكر المعاصر في إنكار الغيبيات أو خوارق الطبيعة أو تأويل المعجزات ، أو أحكام الوحي . إن الخروج على الحكم الشرعي باعتماد الحمض النووي سوف يترتب عليه من المفاسد ما لا يخفى مما بينا جانبا منه ، وهي مفاسد لا تقتصر خطورتها على الولد والزوج والزوجة فقط ولكن يدخل فيها بقية أطراف الأسرة بما لكل منهم من المصالح و العلاقات المتنوعة فيها من الميراث والمصاهرة والسمعة و.. إلخ ، إن الفتاوى الشرعية الترقيعية التي يستدعيها مجتمع غير شرعي تغطيه التراقيع في جوانبه المختلفة فهي تأتي على عجل كما يأتي المنبت : يjd كالمنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع ، أو بعبارة أخرى : لا حكما للشرع أقامت ، ولا مصلحة للمجتمع أنجزت وفي هذا السياق فنحن مع ما قرره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21- 26/10/1422هـ الـذي يوافقه من 5-10/1/2002م، بخصوص ما قرره في القرارت الأربعة الآتية حصرا :
أولاً: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبــات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر: "ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ". وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.. ) وما عدا هذه القرارت الأربعة فنراه يترتب عليه طائفة المفاسد المذكورة أعلاه أو بعضها - DNA} ويا بتوع الحمض النووي { ديئنئي، تواروا خجلا أمام كلمة صاحب الوحي الذي جنبه الله ورطتكم العلموية ،وحكم بما هداه إليه ربه في إرساء قيمة التعاقد ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ولكم ما تستحقون ,والله أعلم
بقلم:د . يحيى هاشم حسن فرغل
********@ hotmail .com
في سياق حالة الانهزام الحضاري والفكري التي غطت أذهان قادة الفكر والمثقفين وأشباههم في العالم الإسلامي منذ حوالي القرن التاسع عشر كانت مسارعة بعضهم إلى استبعاد بعض الثوابت العقدية والأحكام الشرعية بدعوى يقينية العلم التجريبي وظنية الأحكام الشرعية أو بعضها . وانطلاقا من تلك الهزيمة أيضا – أمام زحف الدجماطيقية العلموية سارع بعضهم إلى تنحية حكم الشرع في مسألة إثبات النسب بطريق " الولد للفراش " ،مع أنه حكم الوحي الذي لا ينطق عن الهوى روي البخاري ومسلم وغيرهما, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إليه انه ابنه, انظر إلي شبهه, وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله, ولد علي فراش أبي, فنظر الرسول, فرأي شبها بينا بعتبة.. فقال: هو لك يا عبد بن زمعة, الولد للفراش وللعاهر الحجر, ثم قال لسودة بنت زمعة : احتجبي منه يا سودة بنت زمعة , فلم ير سودة قط.. قال الإمام ابن حجر في فتح الباري : ( حديث الولد للفراش، قال ابن عبد البر : هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ،جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة ، فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة ، وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة: وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأبو أمامة وعمر بن خارجة والبراء وزيد بن أرقم . وزاد شيخنا عليه : معاوية وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك ، وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة ، ووقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري ووائلة بن الأسقع وزينب بنت جحش ) . وذكر الإمام ابن حجر في فتح الباري (وقد اتفق الفقهاء على أن ابن الزاني لا يلحق به ، لأن النسب نعمة، والزنى جريمة لا يمكن أن تترتب عليها هذه النعمة. وطالما أن الولد ولد على فراش الزوجية الشرعية، فهو ينسب للزوجين.) ( قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس , من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سودة بالاحتجاب منه , وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها , ولهذا قال " الولد للفراش " , قالوا : فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه ؟ ) ثم يقول مفسرا ذلك : ( وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يدل على أصل ، وهو تبعيض أحكام النسب : فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ، ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه للفراش ، فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها ، وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة . وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلا الأئمة المطلعون على أغواره المعنيون بالنظر في مأخذ الشرع وأسراره ومن نبا فهمه عن هذا وغلظ عنه طبعه فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور ، وليست بنته في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية . وبالجملة : فهذا من أسرار الفقه , ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام , وترتيب مقتضى , كل وصف عليه . ومن تأمل الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها . …… . فإن قيل : فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث " واحتجبي منه يا سودة فإنه ليس لك بأخ " ؟ قيل : هذه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها ، ولا يعارض بها ما قد علمت صحته ، ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه : أنه ليس لها بأخ في الخلوة والنظر وتكون مفسرة لقوله , " واحتجبي منه , والله أعلم .) والخلاصة في خاصة موضوعنا : أننا هنا أمام قيمتين معروضتين لبناء الحكم الشرعي على إحداهما في إثبات النسب : قيمة الاستدلال بالعلم التجريبي ( القافة أو الحمض النووي) من جهة وقيمة التعاقد ( الفراش - الزواج ) من ناحية أخرى والسؤال: أي القيمتين أقام عليها الرسول الحكم الشرعي وأيهما أسقط ؟ والجواب شديد الوضوح : إنه أقام حكمه على قيمة التعاقد ، ( الفراش – الزواج - ) وهي جوهر القضية وهي نسيج العلاقات الاجتماعية على جميع المستويات . لذا حكم بإلحاق النسب بالفراش ( التعاقد ) بالرغم من تعارضه مع الوسيلة التجريبية وأسقط وسيلة العلم التجريبي – أي في باب إثبات النسب – وهي نشاط إنساني لا غنى عنه لكن في مجال آخر ، ومنه على سبيل المثال بعض جوانب التحقيق الجنائي . وفي هذا السياق فنحن مع ما قرره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة بخصوص ما قرره في أنه ( لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبــات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص ) إن الخروج على الحكم الشرعي في هذه القضية يظهر في إحدى صورتين : في إسقاط حجية الفراش ( التعاقد ) ، وفي إقامة حجية الحمض النووي ( العلم التجريبي ) إن الخروج على الحكم الشرعي باعتماد الحمض النووي في إثبات النسب سوف يترتب عليه ما يأتي :
أولا: الإسقاط الصريح للحكم الشرعي : الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش ، وللعاهر الحجر " وهو من باب الأحكام الشرعية التي تنتظم الحقوق والواجبات ، وإسقاط هذا الحكم ليحل محله " الحمض النبوي " الذي هو من قبيل الوسائل لا من قبيل الأحكام قلب للأوضاع إذ الوسائل إنما تأتي لخدمة الأحكام لا لتحل محلها .
ثانيا : إزالة إحدى المعوقات الطبيعية في طريق الزنا بتشريع يزيد الزانية اطمئنانا إلى اطمئنان ضمنه لها القانون العلماني سلفا بإلغاء عقوبة الزنا المقررة شرعا
ثالثا : إسقاط القاعدة النبوية الشرعية : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) ، نتيجة إرغام " منكر النسب " على تقديم " البينة " بإجراء عملية تحليل الحمض النووي ، وهي قاعدة قانونية ، يسقط بسقوطها الهيكل القضائي كله
رابعا : الخروج الصريح على تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أسقط القافة شديدة الوضوح - المعادل الموضوعي للحمض النووي في باب إثبات النسب .
خامسا : التحايل على إسقاط العقوبة الشرعية المقررة في حال قذف أحد الزوجين الآخر بالزنا ، وهو اللعان ، وإحلال ما يسمى الحمض النووي محله أو بالأحرى تقديمه عليه
سادسا : التفرقة بين متماثلين في المركز القانوني : الولد المنكور نسبه في حالة ادعاء الزوجية وإن لم تثبت الزوجية ببينة أو إقرار والولد المنكور نسبه في حالة الزنا الثابت ببينة أو إقرار وذلك بإجراء التحليل – حسب الفتوى - في الأول دون الثاني وكلاهما في وقوع نكران النسب عليه سواء
سابعا : التفرقة بين مثماثلين في المركز القانوني : في زواج لم يثبت ، وزنا قد ثبت
وذلك بإجراء التحليل – حسب الفتوى - في الأول دون الثاني ،
وكلاهما في وقوع تهمة الزنا عليه سواء .
ثامنا: التعرض للدفع بعدم الدستورية بناء على أولا وثانيا وثالثا ،ورابعا ، وخامسا
تاسعا : فوات الغرض المقصود من إثبات نسب الولد برفع شأنه اجتماعيا ، إذ بهذا الإجراء يقع التشهير بأحد الوالدين أوكليهما ، و من ثم إثبات الرذيلة قضائيا وإذاعتها اجتماعيا ، بالنسبة لمجموع من يهمهم الأمر في الأسرة .
عاشرا : ستنشأ بمرور الأيام عادة فحص الحمض النووي لإثبات النسب وهذه نتيجة خطيرة بالنسبة لحقوق المرأة والطفل والمجتمع جميعا ، وقد يسعى إليها في الخصومات الرجل ، كما قد تسعى إليها المرأة ، وقد ينتج عنها :
ا- إلحاق نسب ولد الزنا للزاني من امرأة متزوجة إذا أثبت التحليل أنه من ماء الزاني.
ب- نفي النسب عن ولد من امرأة متزوجة إذا أثبت التحليل أنه ليس من ماء الزوج .
ج - فتح باب واسع للفجور بمساندة المرأة الزانية في إلحاق وليدها بمن حصلت مواقعته إياها
د – فتح قيعان جهنم تحت أقدام المحصنات عندما يتعرضن لدعاوى إنكار نسب مواليدهن وهي الدعاوى التي يشجع عليها تقنين الاحتكام إلى هذا " الحمض " وهي دعاوى يتوقع رفعها والتلاعب فيها من أصحاب المصلحة سواء من الزوج أو من الورثة ولا يفيد في هذا الصدد ما يقال من فرض عقوبة على منكر النسب إذا أثبته التحليل ، أو مدعي النسب إذا لم يثبته التحليل : إذ يكون له أن يتعلل بالشبهات والشكوك والشواهد والقرائن وماذا تفيد العقوبة بعد أن تلوثت سمعة المرأة
حادي عاشر: فساد الاستدلال بأن ما تناولته الفتوى في الاحتكام للحمض النووي لا ينسحب بأثر رجعي على الوقائع التي حدثت قبل صدورها ، لأنه إن صح ذلك في القانون الوضعي الذي ينشأ فيه الحكم بصدور القانون ، فإنه لا يصح في الفتوى الشرعية الكاشفة عن الحكم الشرعي لمجتمع استقر فيه الإسلام قرونا قبل صدور الفتوى كما لا يصح الاستدلال على ذلك بقوله تعالى " عفا الله عما سلف" لأنه يدخل في عفو الله لا في عفو الدولة أو المجتمع
ثاني عشر : فساد الادعاء بيقينية التحليل النووي ، وذلك نتيجة وضعه بيد منظومة متنوعة من العاملين في المعامل والمحاكم بالضرورة وهم بشر غير معصومين ناهيك عما وضع في يد بعضهم – خصوصا - من إمكانية الابتزاز والرشوة والتلفيق في مجال إثبات النسب بما له من شديد الحساسية والإغراء . وشأن الفتوى كما هو معروف مراعاة مقتضى الحال في مناخ اجتماعي أصبح فيه المال رفيع الشأن ، وخراب الذمم واسع النفوذ ، ورائحة الفساد تزكم الأنوف !! . ولا عاصم من ذلك كله في موضوعنا : بغير العمل بالقاعدة النبوية : الولد للفراش ( التعاقد ) ومن أسقط التعاقد فله الحجر : فعلا بالرجم ، أو حكما بالحرمان .
ثالث عشر : خطأ وصف العلم التجريبي باليقينية بعد أن تعرى منها تماما نتيجة للتقدم العلمي المعاصر . [ والمشكلة أن الأغلبية العظمى من المفكرين المعاصرين في بلادنا يتجاهلون أنهم في تواكبهم مع العلم التجريبي الحديث - وهو غير يقيني كما سنبين - كانوا وما زالوا ذيلا لما يجري إنتاجه من نظريات في حقل الإنتاج العلمي في الغرب ، علما بأن البضاعة العلمية التي يتعاملون معها ما كانت لتصل إليهم وتنتشر في أوساطهم إلا بعد بوارها وإنتاج غيرها في أسواق إنتاجها ، مما لم يصل إليهم خبره بعد ، وهذا ما حدث لهم في زعمهم " المتخلف " بيقينية قوانين المنهج العلمي التجريبي ، ومن ثم يقينية الاحتكام إلى الحمض النووي . وهذا هراء انقضى زمنه وإن لم يعلموا يقول لويس دي برولي أحد كبار علماء الفيزياء المعاصرة : ( كان للحتمية في نظريات الفيزياء الكلاسيكية السيادة المطلقة ….. مع إمكان التعبير عن قوانين الفلك والميكانيكا والفيزياء بعلاقات رياضية حاسمة ،… ) الفيزياء والماكروفيزياء للويس دي برولي ، سلسلة الألف كتاب ، ترجمة رمسيس شحاتة ومحمد مرسي أحمد عام 1967 ص 219 ص 219 يقول الدكتور دين أفرت وولدردج ، الحاصل على الدكتوراه في الطبيعة من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا http://vb.ansabtamim.com/images/smilies/frown.gif .. وما أومن به هو أن هناك قوانين طبيعية ثابتة تعمل دائما بانتظام ودون أي - استثناء-) من حياة العلماء من حياة العلماء لتيودور بيرلاند ترجمة د أحمد بدران نشر دار النهضة العربية ص 3280 إن هذا الحديث عن حتمية القوانين الطبيعية التي يسفر عنها العلم بمنهجه التجريبي الاستقرائي حديث خرافة سادت زمنا ، ثم افتضحت : نجد افتضاحها في ميدان الفكر الإسلامي وفى ميدان الفلسفة الحديثة والمعاصرة وفى ميدان العلم التجريبي المعاصر على السواء . ولو تدبر القائلون بهذه الخرافة كون العلم التجريبي يقوم على الاستقراء الناقص لانحسمت القضية في كلمة ولزالت الغشاوة في لحظة هذا هو العالم المسلم جابر بن حيان ( المتوفى 198هـ / 813 م ) يرجع الاستدلال الاستقرائي إلى ( العادة ) وحدها ، وليس إلى الضرورة العقلية ، إذ ليس فيه كما يقول : (علم يقيني اضطراري برهاني أصلا ، بل علم إقناعي يبلغ إلى أن يكون أحرى وأولى وأجدر) انتهى جابر إلى ما انتهى إليه الغربيون أنفسهم من علماء القرن العشرين إلى أن قوانين العلم الطبيعي التي تتمثل في التعميم العلمي لا ترقى قط فوق كونها قضايا احتمالية ترجيحية لا تبلغ قط مرتبة اليقين ..) انظر مجلة عالم الفكر العدد الرابع يناير فبراير مارس 1973 0 مقال خصائص التفكير العلمى للدكتور توفيق الطويل ص 1121 وما قرره جابر بن حيان كرجل من رجال العلم أو الصنعة ذهب إليه علماء العقيدة الإسلامية من بعد . كذلك ذهب الإمام الغزالي إلى رفض تفسير العقليين للعلاقة السببية بين الظواهر الطبيعية . يقول الغزالي في كتابه " تهافت الفلاسفة " : ( إن الارتباط بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد في العادة مسبباً ، ليس ضروريا عندنا …… ، مثل الري والشرب ، والشبع والأكل ، والشفاء وشرب الدواء ، وهلم جرا ، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف ) . ولكن الغزالي - - يستطرد من ذلك إلى تفسير هذا الاقتران المطرد بإرجاعه إلى تقدير الله سبحانه ويقول : ( وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوي ، لا لكونه ضروريا في نفسه ) . أما في ميدان الفلسفة الحديثة فإننا نجد ديفيد هيوم يعتبر قانون العلية مجرد عادة ذهنية تنشأ عند الناس كلما رأوا حادثتين مطردتي الوقوع أو متتابعتين فنشأ من هذا في أذهانهم اعتقاد بأن اللاحق يعقب السابق . فإذا وصلنا إلى الفلسفة المعاصرة وجدنا فتجنشتين وهو من أعلام المنطقية الوضعية يذهب إلى نفس الاتجاه .حيث يرى أن جميع قوانين العلوم الطبيعية قوانين احتمالية فقط لا ضرورة فيها. ويستشهد على ذلك بقانونين من القوانين التي تعتمد عليها أغلب العلوم الضرورية هما قانون الاستقراء وقانون السببية .. منتهياً إلى أن فكرة الضرورة لا وجود لها في أي منهمـــا ففي الاستقراء ( الناقص ) يكون الحكم الذي تنتهي إليه منطبقا أيضا على حالات جزئية أخرى لم نلاحظها بعد .. وفى هذا نوع من التنبؤ بأن جميع الحالات الجزئية التي سوف نصادفها في المستقبل سوف تكون على غرار ما لاحظناه بالفعل .. فعلى أي أساس يأتي هذا التوقع ؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتوقع أن تكون الحالات التي لم يلاحظها مشابهة للحالات التي لاحظها ؟ إن الاستقراء بهذا المعنى لا يعتبر – عند فتجنشتين - طريقة صحيحة للتفكير سواء كان تفكيراً علمياً أو غير علمي هذا من ناحية مبدأ الاستقراء . أما من ناحية مبدأ السببية فإن فتجنشتين يرى أنه ليست هناك ضرورة عقلية أو تجريبية ، تبرر ارتباط ما نسميه السبب بما يسمى بالمسبب لمجرد أن أحدهما يسبق الآخر أو يتلوه. ويقول فتجنشتين ( وضرورة حدوث شئ ما لأن شيئا آخر قد حدث .. لا وجود لها ، فالضرورة لا تكون إلا ضرورة منطقية ). ويرى ( أنني حين أقول إن الحديد يتمدد بالحرارة إنما أعنى أنني أتوقع أن أجد كل جزئية من جزئيات الحديد تتمدد بالحرارة ، بناء على ما عرفته من خبرتي بالنسبة لمئات وآلاف العينات المماثلة ، فهي قوانين احتمالية فقط ، وليست بالقوانين الضرورية لأننا لو تمسكنا بفكرة ضرورة صدق هذه القوانين لكنا أشبه بمن يعتقد في صحة الخرافات ) . لودفيج فتجنشتين ص 304 - 303 ص 206 0ص 306 - 311 للدكتور عزمى إسلام ، نشر دار المعارف بمصر أما رسل فيذهب إلى أبعد من ذلك ، حيث يقول : ( كان من المعتقد فى المنطق التقليدى أن الاستقراء يمكن أن يؤدى إلى العلم ، لكن هذا كان خطأ ، لأننا نستطيع أن نثبت أن النتائج التي تستمدها عملية الاستدلال الاستقرائى من مقدمات صادقة ، هى فى الغالب الأعم كاذبة أكثر منها صادقة ) ، ثم يستبدل رسل التحليل بالاستقراء . أنظر كتابه فلسفتى كيف تطورت ص 254 وإذا كان كل من هيوم ، وفتجنشتين يذهب إلى إنكار حتمية القوانين ممثلا هذا الاتجاه في الفلسفة الإلحادية التي تظن باطلا أن هدمها لهذه الحتمية يؤدى إلى إنكار وجود الله ..{ ولمناقشة هؤلاء مقال آخر لاحق } فإننا نجد في الفلسفة الغربية من يمثل الاتجاه الإسلامي الذي عبر عنه الإمام الغزالي ، والذي لا يرى في إنكار عنصر الضرورة في الظواهرالتجريبية إنكاراً لمبدأ العلية في حد ذاته الذي عن طريقه تقوم الأدلة العقلية على وجود الله . فهذا هو الفيلسوف الفرنسي أميل بوترو(1845- 1921 ) ... يتساءل هل حقٌا قوانين الطبيعة تتسم بالضرورة ؟ وإن كانت كذلك فما مصدر هذه الضرورة ؟ أم أن الضرورة مظهر خادع ، ؟ تراث الإنسانية العدد 9 المجلد الثانى إن أميل بوترو يذهب إلى أن السبب هو الشرط ، أو مجموع الشروط التي تؤدى إلى ظاهرة معينة ...وبهذا المفهوم يكون السبب من جملة الظواهر ، فهو متغير مثلها والقانون لا يفرض فرضاً على الأشياء الطبيعية ، بل هو نتيجة لها ، وهذه الأشياء إذا تغيرت لا جرم يتغير القانون .... يقول أميل بوترو: ( لا شئ بحسب نتائج العلم نفسه يضمن الثبات المطلق للقوانين ) العلم والدين لأميل بوترو ، ترجمة د فؤاد الأهواني نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1973 ص 278-279 بل إننا نجد عند الفيلسوف الملحد رسل إنكارا لفكرة حتمية حقائق الرياضة إذ يقول: ( واليقين البديع الذي كنت آمل دائما أن أبلغه في الرياضة قد فقدته في متاهة محيرة) فلسفتى كيف تطورت ص 4 : 261. وإذا كان ذلك ما نجده في ميدان الفلسفة من " لا حتمية " القانون الطبيعي ، فإننا نجد مثله في ميدان العلماء التجريبيين أنفسهم : يقول الأستاذ عباس العقاد عن موقف العلماء التجريبيين : عاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التي تحكم الحـرارة والحـركة والضـوء ، وكل مـا في عـالم المادة من كهارب وذرات، فوجدوا لها قانونا واحدا وهو الخطأ والاحتمال .. عقائد المفكرين فى القرن العشرين لعباس محمود العقاد نشر مكتبة الإنجلو ومكتبة غريب ص 48. يقول الكيميائي الكبير برزيليوس ( 1779 - 1848 ) : ( إن كتب الكيمياء لو قيل لي عنها إن الشيطان يكتبها لما كذبت ، فهي لا تكاد تثبت على شئ حتى يتغير كل ما فيها ) بواتق وأنابيق لبرنارد جافي ترجمة الدكتور أحمد زكي ، نشر مؤسسة فرانكلين ومطبعة النهضة المصرية ص 194 ويقول العالم الفيزيائي الشهير لويس دي برولي : (.. كيف تستطيع فيزياء لم تعد تعرف حقيقة موضوعية بحتة ، ولم تعد تعرف كيف تعطى شيئا على الإطلاق سوى العلاقات بين الراصد وما يرصده أن تصل إلى صورة للكون موضوعية تماما كما يتطلبه الوصف الحتمي التام للظواهر ) الفيزياء والميكروفيزياء ص 147 0 ويقول ليونيل روبي ( لا يوجد في العلم برهان أو دليل يعتبر خاتم البراهين ، أو الدليل النهائي الذي لا دليل بعده ... وحتى الفرض الذي تأكدت صحته قد يعاد اختباره مرة بعد الأخرى . إذ ربما لا يعمل هذا الفرض في كل الظروف . ثمة عوامل غير معروفة قد تنتج نتائج استثنائية في حالة معينة بالذات ) فن الاقناع لليونيل روبي ترجمة الدكتور محمد على العريان نشر مؤسسة فرانكلين ومكتبة الإنجلو عام 1961 ص 355 : 356 ويقول جيمس كونانت مدير جامعة هارفارد في كتابه " مواقف حاسمة في تاريخ العلم " http://vb.ansabtamim.com/images/smilies/frown.gif أما عما يتنبأ به العلم أن يقع فأمر ككل أمور الحياة غير العلمية يتوقف ثبوته على ما به من احتمال ، فالمسألة على ما يظهر ليست إلا احتمالا ودرجة احتمال) مواقف حاسمة ، لجيمس كونانت ترجمة د : احمد زكي ، نشر دار المعارف ص 64. ويؤكد كارل بيرسون في كتابه الشهير " أركان العلم " احتمالية القانون العلمي فيقول : ( ليس في وسع العلم مطلقا أن يبرهن على وجود أية ضرورة كامنة في التعاقب .. فالعلم بالنسبة إلى الماضي وصف وبالنسبة إلى المستقـــبل اعتقاد ) مجلة تراث الانسانية العدد 12 المجلد 3 ص 922 ومن الآراء الشائعة الآن ، خصوصاً بعد النجاح الذي أحرزته ميكانيكا الكم : أن قوانيننا متناهية الدقة لا يمكن أن تكون سببية ، بل يجب أن تكون إحصائية . وفي هذا يقول الأستاذ ليكونت دي نوي في كتابه " مصير البشرية " : ( إن الطريقة العامة المستعملة في الفيزياء في الوقت الحاضر هي الطريقة الإحصائية التعدادية التي تعتمد على عدد كبير جداً من العناصر ..) مصير البشرية لليكونت دي نوي ، ترجمة أحمد عزت وعصام أحمد طه ، نشر دار اليقظة الغربية في دمشق عام 1963 ص 22 0 ويقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراندراسل إنه ( في الفيزياء الحديثة أصبحت القوانين إحصائية : بمعنى أنها لا تقرر ما سيحدث في حالة جزئية لكنها تقرر أشياء مختلفة فحسب ؛ كل منها سوف يحدث في نسبة معينة من الحالات ) فلسفتى كيف تطورت ص 2410 هذا ما يقرره العلم الحديث اليوم بصفة عامة . ويعلق جون كيمني – من تلاميذ أينشتين - : على ذلك قائلا : ( القوانين الإحصائية أو ما يسمى بالأحرى قوانين احتمالية … تدخل إلى العلم بسبب إخفاق جميع الوسائل الأخرى أو عندما نضطر للاعتراف بجهلنا الكامل ) الفيلسوف والعلم لجون كيمني ، ترجمة د أمين الشريف ، نشر مؤسسة فرانكلين عام 1965 ص 118 ويقول هرمان راندال مؤلف كتاب " تكوين العقل الحديث " : (إن مثل هذه القواعد الإحصائية تجعل التنبؤ والتحقق ممكنين تحت جميع شروط الملاحظة ، ولكنها تتعلق بمجموعة لا بأفراد.) . وللتدليل على أن عامل الوراثة " الجينات " لا ينفرد بالتأثير في قدر الإنسان يقول الأستاذ آشلى مونتاجيو: في كتابه الوراثة البشرية ، ترجمة زكريا فهمي ، نشر فرانكلين عام 1970(إن التطور حالة متحركة تتفاوت بتفاوت الظروف ..فالمصير الذي تئول إليه أية خلية ، وجزء الجسم الذي تدخل في تكوينه ، لا يتحددان فقط بواسطة الجينات التي تحتوي عليها هذه الخلية ، بل يتوقفان أيضا على الظروف المحيطة بها .) المصدر السابق ص101، 1020 ويقول الأستاذ آشلى مونتاجيو : (من الخطأ الاعتقاد بأن الجينات هي التي تحدد تماماً ما سوف يكون عليه شخص ما ، أو ما هو عليه بالفعل ومن ثم لا يبقي شيء يستطيع الإنسان عمله إزاء الوراثة ، والواقع أن هذه طريقة شائعة للتفكير في الوراثة ، وهى طريقة مزيفة تماماً . ومن سوء الحظ أن عدداً كبيراً من الثقات وقعوا في هذا الخطأ الذي يعرف بأسماء مختلفة هي : "المغالطة البيولوجية " أو " المغالطة الاختزالية " أو "مغالطة ليس إلا" .. إن الطبيب غير المستنير هو الذي يقول : "هذه حالة وراثية ، فليس هناك ما يمكن عمله بصددها ". ويقول مونتاجيو عن هؤلاء ساخراً : (وإذا شاء أحد أن يكون علامة لوذعٌيا ، فبوسعه أن يطلق على هذه الحالة اسم " الأديوباثية الخلقية " وتعني " العلة الخلقية" ، وهى تسمية تؤدي بالفعل إلي إغلاق الباب في وجه إمكانية عمل أي شيء في هذه الحالة . ولقد صدق من قال : إن الجدران العالية لا تصنع سجناً ، في حين تصنعه التعبيرات العلمية في كثير من الأحيان ) الوراثة البشرية المصدر السابق ص 97 - 99. ويقول مونتاجيو (إن الخطورة تكمن في الاعتقاد بأن الجبلة والفطرية مساوية للمصير، وأن نمط الجينات الذي يرثه المرء يحدد قدره ومآله . والواقع أن هذا الاعتقاد شكل حديث لفكرة القضاء والقدر ) الوراثة البشرية لآشلي مونتاجيو ، ترجمة زكريا فهمي ص 101 ويقول الدكتور مترام : (من الجلي الواضح أن مظاهر ميراثنا تتغير بفعل البيئة وأنه في وسعنا أن نضبط البيئة ونكيفها إلى حد كبير ) . الأساسي الجسماني للشخصية للدكتور ف هـ مترام ترجمة د عبد الحافظ حلمي عام 1966ص 101 وإذا كان من الممكن عمل شيء يضاف إلى عمل الجينة يراه كل من مونتاجيو ومترام في البيئة ألا يعني هذا سقوط الحتمية ومن ثم يجوز لنا من باب أولى أن نفترض تأثير الخالق المريد الذي هو الله تعالى ؟ فلا تبقى للحتمية باقية ؟ إن القول باطراد سنن الطبيعة ليس إلا اعتقاداً محضا ..وفي هذا يقول الدكتور توفيق الطويل : (يفترض العالم مقدما مدركات عقلية أو قضايا أولية يستخدمها أعم من مقدماته دون أن يعرض للبحث في صوابها أو خطئها .. فمن ذلك أن العالم الطبيعي يسلم مقدمًا - في بداية بحثه - بمبدأ الحتمية أو السببية العامة ) عالم الفكر يناير فبراير مارس 1973 ص 1120 0 وأخيرا وقد تبين أن القول بحتمية القوانين الطبيعية بعيد عن الصحة في نظر الفلسفة والعلم التجريبي على السواء ... فإنه من حسن الحظ أن تقدم العلوم لا يتوقف على هذه الحتمية خلافاٌ لما ذهب إليه المؤمنون بها .وفي هذا يقول الأستاذ فانيفاربوش رئيس مجلس إدارة معهد ماساسويتش للتكنولوجيا : (من حسن الحظ أن العمل العلمي لا ينبغي أن يكون كاملا حتى يؤتي ثمراته ، … قد لا يكون في وسع المنطق أن يتقدم إلا حيث تكون المسائل التي يتعرض لها محددة بدقة ، أما العلم فيمكنه أن يتقدم حيث يتسنى له أن يلاحظ وأن يقيس ) الثقافة الأمريكية (العدد الرابع) المجلد الثانى 15،16. بل إن الأمر على العكس مما يظنه الحتميون إذ اللاحتمية هي ما يفتح الباب لعملية التصحيح المستمر لمسيرة العلم ، وهي أمارة تقدمه المستمر أيضا ومن هنا يمكننا أن نقول - نتيجة لما تقدم - بانهيار مبدأ حتمية قوانين الطبيعة المزعومة سابقا . وبانهيار هذه الحتمية ينهار كل أساس يقوم عليه الفكر المعاصر في إنكار الغيبيات أو خوارق الطبيعة أو تأويل المعجزات ، أو أحكام الوحي . إن الخروج على الحكم الشرعي باعتماد الحمض النووي سوف يترتب عليه من المفاسد ما لا يخفى مما بينا جانبا منه ، وهي مفاسد لا تقتصر خطورتها على الولد والزوج والزوجة فقط ولكن يدخل فيها بقية أطراف الأسرة بما لكل منهم من المصالح و العلاقات المتنوعة فيها من الميراث والمصاهرة والسمعة و.. إلخ ، إن الفتاوى الشرعية الترقيعية التي يستدعيها مجتمع غير شرعي تغطيه التراقيع في جوانبه المختلفة فهي تأتي على عجل كما يأتي المنبت : يjd كالمنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع ، أو بعبارة أخرى : لا حكما للشرع أقامت ، ولا مصلحة للمجتمع أنجزت وفي هذا السياق فنحن مع ما قرره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21- 26/10/1422هـ الـذي يوافقه من 5-10/1/2002م، بخصوص ما قرره في القرارت الأربعة الآتية حصرا :
أولاً: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبــات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر: "ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ". وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.. ) وما عدا هذه القرارت الأربعة فنراه يترتب عليه طائفة المفاسد المذكورة أعلاه أو بعضها - DNA} ويا بتوع الحمض النووي { ديئنئي، تواروا خجلا أمام كلمة صاحب الوحي الذي جنبه الله ورطتكم العلموية ،وحكم بما هداه إليه ربه في إرساء قيمة التعاقد ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ولكم ما تستحقون ,والله أعلم