نبض عدن
01-02-2005, 03:34 PM
]الثقافة وقضية الديمقراطية
الدكتورعبدالرزاق الدواي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط
1. نعتبر قضية الديموقراطية حجر الزاوية في جميع مشاريع الإصلاح الثقافي و السياسي. و نحرص هنا على التذكير ببعض التغييرات الهامة التي طرأت على دلالة مفهوم الثـقـافة، خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين الذي ودعناه.و في هذا الصدد نقول، إن بِوُسعِ المتَتَـبِّع للتطوُّرات التي شهدها حقل الثقافة الغربية في الحقبة المذكورة، أن يلاحظ بجلاء الارتباطَ التدريجي لمفهوم الثـقافة، بقيم و مبادئ حقوق الإنسان مثل المساواة والعدالة و الحق في الاختلاف، الأمر الذي لا نعلم حدوثه مثله من قبل. و حسب تقديرنا، يمكن أن يُرَذُُّّ ذلك، إلى تطوُّر الخطاب المعاصر عن الديموقراطية و حقوق الإنسان، و إلى اتساع المجالات التي طَالَها حتى أصبح من الجائز القول عنه، مستعيرين تعبيرا من أدبيات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، إنه غدا يشكِّلُ إحدى السِّمَات البارزة التي تطْبَعُ نظام الفكر و القيم في عالم مطالع الألفية الثالثة.
و قبل أن تتبلور فكرة الربط بين مفهومي الثقافة و الديموقراطية في الفكر الغربي المعاصر، و تنال قدرا وافرا من الحظوة والاعتراف، كان العالم الغربي الظافر و الُمتقدِّم على كافة الأصعدة و الجبهات، واثقا تمام الوثوق بأنَّه وحده ينفرد بامتلاك الثَّـقافَة الإنسانية الراقية و الكونية الحقيقية؛ وأن ثقافات باقي شعوب و دول العالم هي، إمَّا غارقة في مُستنقعات التَّخَلُّف في أعماق و مستويات متفاوتة؛ و إما هي بدائية و متوحشة لا تزال تعيش خارج التاريخ(1). و لكن الغرب هذا، و قد تمكَّن من فرض نفوذه و بسط هيمنته و ثقافته على سائر الثقافات البشرية الأخرى، بل و من تشويه و تدمير معالم كثير منها، بدأ الضمير المؤنِّبُ عند فئة مستنيرة من علمائه و مُفكِّريه، في طرح تساؤلات قلقة حول مصير الثقافات المغايرة للثقافة الغربية، و حول ما إذا لم يكن من الواجب المبادرة إلى إنقاذ آثار بعض منها، قبل أن تندثر نهائيا.
و في فترة لاحقة، و خاصة ابتداء من الستينيات. طرأ تحوُّل ملموس في خطاب الأنثروبولوجيا الثقافية الغربية، بحيث صرنا نلمس عن كثب أنه بقدر ما قلَّ في هذا الخطاب الحديثُ عن الثَّـقافَة الغربية باعتبارها نسيج وحدها واستثناءً، بقدر ما طفَت على السطح تدريجيا أفكار "الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية" و "تساوي جميع الثقافات". و نعتقد أن المسار الفكري للعالم الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر كلود ليفي ستروس (1908+...)، يمَثِّلُ نموذجا بارزا لهذه الطفرة في تطوُّر الوعي الغربي، و نزوعه نحو الاعتراف المبدئي، لجميع الثقافات البشرية، بالتكافؤ و التعادل و المساواة (2).
و من باب المؤكَّد الآن، أن الحركة الداعية إلى احترام مبادئ: "تساوي جميع الثقافات" و "حق الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثَّقَـافِية"، قد نشأت في قلب سيرورة الفكر الديموقراطي المعاصر ذاته. و لم تلبث هذه الحركة أن تطورت شيئا فشيئا، و بدأت أفكارها في الانتشار، و إعطاء ثمارِها في فضاء الحوار بين الثقافات، و تنمية العلاقات الثَّقَـافِية بين الدول. مِمَّـا جعل المجتمع الدولي يأتلف بالتدريج، و لو على المستوى النظري، مع فكرة أن الثقافات البشرية مهما اختلفت، فهي من حيث المبدأ على الأقل تتعادل فيما بينها. و هذا المبدأ ذو البعد الإنساني و الديموقراطي، و الذي تدعِّمُه التوجُّهَات الجديدة للدراسات و الأبحاث في الأنثروبولوجيا الثَّقَـافِية المعاصرة، يقضي نظريا و أخلاقيا، بأنه لم يعد هناك مجال للحديث عن ثقافات بشرية مُتفاضِلة فيما بينها، و مُرتبة في سُلم التقدم؛ فيها الأرقي و الأدنى و الممتاز و المنحط. و من شأنه أن يَؤسِّـس للثقافات البشرية فضاءً للنمو و التفتح والازدهار، في أحضان حضارة إنسانية يٌفترَض أنها شاملة لمكوِّنات مُتعدِّدة، و رحبة للجميع.
و من أجل دعم فكرة هذا الربط الحديث بين مفهوم الثقافة و الديموقراطية على المستوى العالمي، ثمة قرائن أخرى يمكن سردُها هنا. منها على سبيل المثال، أن مبادئ الحركة التي المذكورة، أضحت خلال فترة وجيزة، تتصدَّر الاهتمامات الكبرى لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و الثـقـافة والعلوم (اليونسكو)، التي يبدو أنها عثرت فيها أخيرا على الحجر الفلسفي المنشود، الذي بفضله يُمكنها مواصلة رسالتها في نشر ثـقـافة السلام و الحوار بين الثقافات في العالم(3). و منها كذلك، أنه في هذا المناخ الثقافي الديموقراطي الجديد بالذات، اغتنت منظومة حقوق الإنسان (الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان،1948)، بولادة جيل ثالث من الحقوق. و يتعلق الأمر بقائمة الحقوق الثَّقَـافِية التي تهم الجنس البشري بأسره، و منها الحق في الاعتراف بالحرية الثَّقَـافِية للجميع، و الحق في الاستفادة من التراث الثقافي المشترك للبشرية جمعاء (4).
و ما هو من قبيل الواضح للعيان حتى الآن، أن مسألة "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية"، صارت تحتل بالتدريج مكانة أوسع في فضاء العالم المعاصر، إلى حد يمكننا القول فيه، و بدون خشية الوقوع في المبالغة، إن أغلب مجتمعات الألفية الثالثة ستكون مجتمعات متعددة الثقافات. كما نتوقَّع، في المستقبل المنظور، أن صيغة السؤال الأساسي الذي يمكن أن يطرَحُ حول هذه المسألة، ستتحول من " هل يجب قبول التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية أم رفضها"، إلى: " إذا كان من اللازم التسليم بمبدأ التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، فإلى أية حدود؟".
و هنا يحِق لنا أن نتساءل: تُرَى هل خَلَّفَت هذه التحولات الدلالية التي طرأت على مفهوم الثَّـقافَة في اتجاه الديموقراطية، أصداءً في منظومتنا الثَّقَـافِية العربية الإسلامية؛ و ما هو الموقع الفعلي لقضية الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، في هذه المنظومة؟
بداية نقول، إن الاختلاف بين الكيانات الثقافات البشرية المتواجدة في عالم اليوم، واقع حقيقي يصعب غَضُّ الطرف عنه. و واقِع حقيقي كذلك، أن هناك اختلافات فعلية، نسبية و متفاوتة في الحِدَّة و الدرجة بالتأكيد، توجد حتى داخل المجموعات الثقافية التي تربطها علاقات القرابة أو الجوار؛ بل حتى داخل نفس الكيان الثقافي الواحد الذي يُفترض أنه منسجم و متجانس. و نعتقد أن هذا هو حال ثقافتنا العربية الإسلامية أيضا. و بصدد مسألة الاختلاف، يبدو أن ثقافتنا تعاني من مفارقة لافتة للنظر، تتَجلَّى في كوننا، في الشعارات الثقافية التي نرفعها، ندافع بحماس عن حق الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و الثقـافية على المستوى العالمي، و خاصة عندما نكون في موقف الدفاع عن ثقافتنا ضد الثقافة الغربية الغازية و المُهيمنة. و لكننا سرعان ما نتنكَّر لمضامين هذه الدعوة، عندما يُنادى بها في مجتمعاتنا و أقطارنا، بل قد لا نتردَّد في التصدِّي لها و محاربتها.
و كأن ثقافتنا العربية الإسلامية قد خلت من شوائب التعدد، و كأنها شكَّلت دائما وحدة متجانسة، و ظلَّت خلال جميع الحقب التاريخية لتطورها، في منأى من عوارض الصراع و الخلاف والزمن. في حين أن الخلاف فيها قائم و يسكنها تاريخيا و واقعيا. فتاريخها هو، ككل تواريخ ثقافات العالم، ميدان للخلاف و الاختلاف، مما يتنافى طبعا مع المواقف و النزعات التي تأبى إلا أن تتحدث عنه بلغة الكمال و التنزيه و التوحيد. و مَن باستطاعته إنكار واقع أنه، على امتداد الأقطار المنتمية كليا أو جزئيا إلى هذه الثقافة، تنساكن مجموعات بل أقوام ذوو جذور ثقافية متنوعة، أسهمت ثقافاتهم بالتأكيد في إثرائها، بل ربما لم تستطع ثـقافَتنا العربية الإسلامية أن تضرب بجذورها في أعماق تربة و بيئة تلك الأقطار، إلا بفضل استيعابها و تمثلها للعناصر الحيَّة في تلك الثقافات المحلية؟
و لكن الاعتراف بالوجود الواقعي و التاريخي، لتنويعات و أشكال ثقافية فرعية هامة، داخل نفس الثَّـقافَة الأم، لا يجب أن يُؤخذَ على أنه دعوة ضمنية أو صريحة، إلى تضخيم تلك الاختلافات إلى حد إعطائها قيمة مطلقة، و إلا انقلب الأمر إلى تشتيت لا نهاية له للآراء و المعتقدات والجُهود، و بالتالي إلى تشجيع للتجزئة والتفرقة والتنازع(5).
و يبقى المهم في تقديرنا، هو نوعية التأويل و الاستثمار الممكن التعامل بواسطتهما مع هذه الظاهرة. نحن نرى أن بمقدورنا تغيير وجهة نظرنا إلى ظاهرة الاختلافات الثقافية الفرعية، داخل نفس الثَّـقافَة الواحدة، بحيث تصبح أكثر إيجابية. فهذه الاختلافات، التي هي اختلافات طبيعية و توجد في جميع المجتمعات، ينبغي ألا تتحول إلى عناصر تذكِى صراعا مكبوتا، بل يجب إيجاد آليات لتدبيرها سلميا، داخل مناخ القبول بالتَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و حق الاختلاف الذي تنظمه قواعد الديموقراطية، و يستمر في إطار وفاق يتجدد بالوسائل الديموقراطية. و خارج هذا الإطار، من الصعب تصَوُّر كيف يستقيم عندنا الحوار الثقافي الداخلي بين مكونات المجتمع المدني، من أجل تحقيق الطموحات المشروعة لشعوبنا وأقطارنا في إنجاح مشاريع التقدم الاجتماعي، و التنمية الديموقراطية و الحداثة السياسية، و لماذا لا الاتحاد السياسي في نهاية المطاف؟ (6).
2. أمامنا قضية حَيَوِيَّة تكاد تصبح من البديهيات في عالم اليوم: إن إنجاح و دعم مشروع التحرُّر والتنمية و الحداثة السياسية في أي مجتمع، بات يتوقف كثيرا على مدى تشرُّب ثقافة البلد المَعْنِي بالفكر الديموقراطي. و أقطارنا لا يمكن أن تظل إلى الأبد مُشَكِّلَة استثناء بالقياس إلى قاعدة الديموقراطية هذه، التي تتسع و تنتشر في معظم أرجاء العالم، و تشُق طريقها في العديد من البلدان التي رزحت طويلا تحت نير الديكتاتوريات.
و بصدد التساؤل عن موقع الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يجْمُلُ بنا في البدء، الاعتراف بأن من الهموم الكبرى التي لا تزال تهيمِن على المناقشات عند نُخَبِنا المثقفة، المفكرة و المناضلة، موضوعات تكاد كلها تدور حول واحد أساسي: مظاهر الغياب الملحوظ للديموقراطية، في أعرافنا و تقاليدنا و أساليبنا في تداول الحكم و تدبير الشأن العام. و هناك صُوَر و وَضْعِيَّـات شاذة، كثيرا ما يُلمَّحُ إليها في هذا السياق أو تُذْكَرُ صراحة. منها على سبيل المثال ما تعيشه أغلب المجتمعات العربية الإسلامية، في مستويات و درجات متفاوتة، من كبت و قمع للحريات المدنية والسياسية والفكرية؛ و من تعسُّف يطال الحقوق الفردية و الجماعية؛ و من قهر و إذلال يمَسَّان بالكرامة الإنسانية؛ و من تفاوت صارخ في توزيع الثروة و الحقوق و المعرفة و الحظوظ، ، ومن نبذٍ لمبدأ احترام التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية والسياسية، و من نُدْرَةَِ توفر عُنصُري الحرية و النزاهة في أغلب الانتخابات و الاستفتاءات التي تُجرَى في بلداننا، و من تشويه لمضمون التمثيل و المشاركة الحقيقيين في أغلب المؤسسات، و من صُورية التناوب و التداول على الحكم و السلطة، إلا فيما ندر و خرج عن المألوف، و من غياب للمحاسبة و المساءلة الشفافة، ثم مما شاع من فساد مسْتَشْرٍ في أجهزة و أوصال السلطة ذاتها!
و بخصوص الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب المُزمِن للديموقراطية في تراثنا الثقافي، يتَّجٍه تفكيرنا بشكل خاص، صوب تحليلات المفكر العربي برهان غليون، حول موضوع "إشكالية الثَّـقافَة و الديموقراطية في واقعنا العربي". و هي تحليلات يبدو لنا أنه لم يظهر إلى حد الآن، ما يمكِن أن يُشكِّك في مصداقيتها، أو يضعف من راهنيتها. و تقوم على فرضية مفادُها، أن مسألة الديموقراطية لم تُطرَح إلى حد الآن، في جل البلدان العربية و الإسلامية، كقضية جِدِيَّة و جوهرية و ضرورية، تتعلق بتقديم حلول لا بد منها، لمسألة اجتماعية أساسية هي مسألة الحكم و تناقض المصالح و الأهداف، للفئات الاجتماعية المختلفة التي تتكون منها مجتمعاتنا. و لكنها طُرِحَت ، في أحسن الفروض، كمظهر من مظاهر التقدم السياسي يتم اكتسابه مثلما يتم اكتساب الصناعات و العلوم و بقية التقنيات العملية الحديثة"(7). و هذا الطرح الصُّوري لمسألة الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يُعَدُّ من وجهة نظرنا، من العوامل الأساسية المساهمة في إفشال أغلب التجارب الديموقراطية في الوطن العربي. و بالتالي في تراكم مشاعر اليأس و الإحباط في النفوس، مما يُوَلِّدُ و ينمي الانطباع العام بأن الغاية من احتضان الديموقراطية بين ظَهْرَانَيْنَا، عندما يُعلَن عن ذلك أمام الملأ و تُعْقَـدُ النية عليه فعلا، تكاد تكون من باب تبرئة الذمة حيال المجتمع الدولي، أو في أفضل الافتراضات، من باب الظهور بمظهر من يتباهى بامتلاكها لأنها من أمَارات التقدم و المعاصرة (8).
و الحق أن الديموقراطية، إذا لم تلق في أوطاننا نجاحا كبيرا مُعْتَرَفا، به و مشهودا له عالميا بالمصداقية، في ما عدا باحات محدودة، و هوامش نادرة هنا و هناك، فذلك لكون مجتمعاتنا دخلت المجال السياسي الحديث، بثقافة وارِثة لعوائق ذاتية من الماضي التاريخي، أصبحت تحول بيننا و بين احتضانها. و لعل أهم تلك العوائق التي لم نستطع التحرُّر منها و لا تذليلها حتى الآن؛ و التي نحرص على إثارتها في هذه الظرفية التاريخية بالذات، أن الفكر الديني السياسي المتزمِّت، يظل راسخا في ثقافتنا، و كأنه ذلك المكبوت اللاشعوري الضارب بجذوره في أعماقها، و الذي يتحيَّن الفرص دائما للظهور و للانقضاض و السيطرة من جديد. و هذا الواقع المُزْمِن و المُعقَّد يجعل ثقافتنا السائدة تُعِيد باستمرار إنتاج علاقات الخضوع و الامتثال و كأنها أمور طبيعية، كما يُكسِبَها قابلية مُتجدِّدة لتوليد ظروف التطرُّف، و ظروف الاستبداد الذي لا يخجل أحيانا من الظهور بمظاهر علمانية متحررة.
و هكذا فإن الصراع في مجتمعاتنا، الذي هو صراع طبيعي و يوجد في جميع المجتمعات البشرية المتواجدة في العالم، لا تساعد مثل هذه الثَّـقافَة السائدة عندنا على إيجاد آليات لتدبيره ديموقراطيا و سلميا. و حتى الثورات التي شهدها مسرح عالمنا العربي الإسلامي، طيلة العقود الماضية، و التي دغدغ بعضها أحلامنا زمنا، لم تخدم قضية الديموقراطية كثيرا، و لم تعمل على استتبابها في بيئتنا، لأنها لم تلبث هي ذاتها أن تحولت إلى استبداد، كثيرا ما لعبت ظروف دولية معينة لُعبتَها في مده بشروط الحياة و الاستمرار.
و رغم مرور أكثر من قرن على بداية ما نعتبره نهضتنا الحديثة، فإن ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة، ، تبدو و كأنها لا تزال تعاني أطوارا أخرى من أطوار مخاض الحداثة العسير، أو بعبارة أخرى، و من منظور آخر أقلَّ تفاؤُلا: تبدو و كأن جميع المجهودات و التضحيات المبذولة طيلة قرن كامل، من أجل إصلاحها و جعلها مقدمة للتحديث السياسي، ذهبت عبثـا وهـَدْراَ، كما يُلَمِّحُ إلى ذلك بنبرة تبعث على الحسرة، عنوانُ كِتاب فرنسي جديد حول هذا الموضوع، صدر في فترة الأزمة الأخيرة التي عِشناها بمرارة، في الشهور القريبة الماضية، و التي انتهت كما يعلم الجميع، بمأساة انهيار دولة العراق و بسقوط كثير من الأقنعة، و انكشاف الحقائق عارية. لقد تبيَّن بالملموس أن غياب العدالة و الديموقراطية قد يُفضِي في الحالات القصوى، إلى انصراف الشعوب عن مساندة الأنظمة المستبدة، وإلى تجرؤ إمبراطورية عالمية جديدة، على احتلال أرض شعب عريق، و نهب تراثه و تدمير ثقافته، تحت راية التحرير والإنقاذ! (9).
و مما يساهم في تعقيد أكبر للأمور بالنسبة لنا، أنه إلى جانب ظواهر غياب الديموقراطية التي تشل حركتنا و محاولات انطلاقنا؛ و إلى جانب حالة الإحباط و الإنهاك العام، التي أصبحت تطبع مسيرتنا، بسبب فشل مسلسل التجارب الإصلاحية، و سلسلة الإخقاقات المتتالية، و خيْبَات الأمل، وتنامي أوضاع الشعور بالعجز التي تخيم علينا؛ إلى جانب ذلك، ينضاف الآن إلى المعادلة عنصر آخر، يتمثل في كون مطامح مجتمعاتنا في التحرر و التنمية و التقدم، أصبح المجالُ الحالي لتحققها يتحدَّد داخل سياق دولي و ثقافي ينحو أكثر فأكثر ليكون في غير صالحنا، إن لم نقل معاديا لنا صراحة، بسبب الهيمنة و الأطماع الاستعمارية الجديدة، و ضخامة المواجهة مع التحدي الصهيوني المفروضة على بداننا، منذ ما ينيف عن نصف قرن.
لكن الإقرار بهذه الحقائق، لا ينبغي أن يكون ذريعة لنا لنبقى في هذه الحالة من الشلل. و هذه المحنة، أو بالأحرى هذا المأزق الذي تعاني منه الديموقراطية في بيئتنا، ينبغي ألا يجعلنا نلين فنحكُم متشائمين بأنها غير متأصلة في ثقافتنا وأعرافنا، و في جميع مناحي وجودنا العربي الإسلامي، و بالتالي لا يمكن احتضانها و استنباتها عندنا إلا مُشوَّهَة. و الحق أن الوعي التاريخي بات يُحَتِّمُ علينا التحلِِّي بالأمل و بالعزيمة، و الاستمرار في بذل الجهود و المحاولات من أجل تهيئ ثقافتنا لكي تستوعب و تحتضن بشكل واع و صريح الفكر الديموقراطي و مكتسباته، التي أصبحت الآن شئنا أم أبينا، من سِمَات ثقـافة إنسانية، ذات توجهات كونية لا سبيل إلى تجاوزها، بل يبدو أن من العبث التفكير أصلا في مثل هذا التجاوز.
فما دام هناك، على المستوى العالمي، تأكيد متزايد على الترابط المتين بين التحرُّر السياسي، و إيجاد حلول لمشاكل التنمية و التحديث و السياسي من جهة، و بين تبني الديموقراطية و احترام حقوق الإنسان من جهة ثانية (10). و ما دامت الديموقراطية من هذه الزاوية للنظر، تسير في طريق أن تصبح مطمحا لأغلب شعوب العالم؛ و بالتالي ما دامت حاجتنا إليها لا تنتفي، أبدا حتى لو اتضح الآن أنَّ مَثَلهاُ الأعلَى في هذا العصر، غدا مطيَّـةً تركب عليها الأطماع التوسعية للإمبراطوريات العالمية الجديدة. ما دام الأمر كذلك، فهل من المعقول أن نُستثنى وحدنا، نحن العرب و المسلمين، من مكتسبات الاختيار الديموقراطي؟ و هل ممَّا يفوق طموحنا و إرادتنا، أن تصبح ثقافتنا بدورها، من جديد ربما، ثقافة العقل و العلم والإنسان والحرية والتقدم والمساواة و التنوير و حقوق الإنسان؟
كلا، إن الدعوة لا تتعلق بموسم الهجرة إلى الديموقراطية، كما يقال و يُكتب في هذه الأيام في العديد من المنابر! و كلا، ليست الديموقراطية هي وهمُنا الجديد الذي نعيش عليه، و إنما الوهمُ كل الوهمِ أن نتصوَّر أنه في وسعنا أن نجد، في اختيارات أخرى غيرِها، ما لا تستطيع هي أن تقدمَّه لنا.
و ليس بخاف علينا حقا، أن معركَة إدماج الديموقراطية، ضمن المشروع الحضاري لإصلاح ثقافتنا و تحديثها، و لإتاحة فرصة التفتح والاغتناء أمام هُويتنا، بقدر ما يتأكد تدريجيا أنها غَدَتْ ضرورة وطنية و قومية، بقدر ما نلمس عن كثب أن الأمر في شأنها، يستدعي تغيير كثير من القيم و الأفكار السائدة عندنا، ذات الصلة بمسألة تطوير سياساتنا تجاه القضايا الاجتماعية و الاقتصادية. مما يعني بوضوح، أن إشكال البناء الديموقراطي هو بطبيعته أشد تعقيدا، و يحتاج إلى زمن أطول، و ربما إلى أجيال أخرى، ذلك لأنه يتعلق بالعقليات و بإيقاعات تغيُّرها (11). و تحضرُنا في هذا المقام، عبارة شهيرة للطبيب النمساوي سيجموند فرويد، مقتطفة من نصٍّ نشره سنتين قبل وفاته، مودِعاً فيها عُصارَة تجاربه في الاحتكاك بالواقع البشري: " ...هناك ثلاث مِهن يبدو أنها في غاية الصعوبة؛ ذلك لأن الفشل فيها مُتَوَقَّـعٌ سلَفاً؛ إنها فَـنُّ حُكم الناس و تدبير شؤونهم، و فَـنُّ تربيتهم، ثم فَـنُّ علاجهم" (12). [/size]
الدكتورعبدالرزاق الدواي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط
1. نعتبر قضية الديموقراطية حجر الزاوية في جميع مشاريع الإصلاح الثقافي و السياسي. و نحرص هنا على التذكير ببعض التغييرات الهامة التي طرأت على دلالة مفهوم الثـقـافة، خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين الذي ودعناه.و في هذا الصدد نقول، إن بِوُسعِ المتَتَـبِّع للتطوُّرات التي شهدها حقل الثقافة الغربية في الحقبة المذكورة، أن يلاحظ بجلاء الارتباطَ التدريجي لمفهوم الثـقافة، بقيم و مبادئ حقوق الإنسان مثل المساواة والعدالة و الحق في الاختلاف، الأمر الذي لا نعلم حدوثه مثله من قبل. و حسب تقديرنا، يمكن أن يُرَذُُّّ ذلك، إلى تطوُّر الخطاب المعاصر عن الديموقراطية و حقوق الإنسان، و إلى اتساع المجالات التي طَالَها حتى أصبح من الجائز القول عنه، مستعيرين تعبيرا من أدبيات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، إنه غدا يشكِّلُ إحدى السِّمَات البارزة التي تطْبَعُ نظام الفكر و القيم في عالم مطالع الألفية الثالثة.
و قبل أن تتبلور فكرة الربط بين مفهومي الثقافة و الديموقراطية في الفكر الغربي المعاصر، و تنال قدرا وافرا من الحظوة والاعتراف، كان العالم الغربي الظافر و الُمتقدِّم على كافة الأصعدة و الجبهات، واثقا تمام الوثوق بأنَّه وحده ينفرد بامتلاك الثَّـقافَة الإنسانية الراقية و الكونية الحقيقية؛ وأن ثقافات باقي شعوب و دول العالم هي، إمَّا غارقة في مُستنقعات التَّخَلُّف في أعماق و مستويات متفاوتة؛ و إما هي بدائية و متوحشة لا تزال تعيش خارج التاريخ(1). و لكن الغرب هذا، و قد تمكَّن من فرض نفوذه و بسط هيمنته و ثقافته على سائر الثقافات البشرية الأخرى، بل و من تشويه و تدمير معالم كثير منها، بدأ الضمير المؤنِّبُ عند فئة مستنيرة من علمائه و مُفكِّريه، في طرح تساؤلات قلقة حول مصير الثقافات المغايرة للثقافة الغربية، و حول ما إذا لم يكن من الواجب المبادرة إلى إنقاذ آثار بعض منها، قبل أن تندثر نهائيا.
و في فترة لاحقة، و خاصة ابتداء من الستينيات. طرأ تحوُّل ملموس في خطاب الأنثروبولوجيا الثقافية الغربية، بحيث صرنا نلمس عن كثب أنه بقدر ما قلَّ في هذا الخطاب الحديثُ عن الثَّـقافَة الغربية باعتبارها نسيج وحدها واستثناءً، بقدر ما طفَت على السطح تدريجيا أفكار "الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية" و "تساوي جميع الثقافات". و نعتقد أن المسار الفكري للعالم الأنثروبولوجي الفرنسي المعاصر كلود ليفي ستروس (1908+...)، يمَثِّلُ نموذجا بارزا لهذه الطفرة في تطوُّر الوعي الغربي، و نزوعه نحو الاعتراف المبدئي، لجميع الثقافات البشرية، بالتكافؤ و التعادل و المساواة (2).
و من باب المؤكَّد الآن، أن الحركة الداعية إلى احترام مبادئ: "تساوي جميع الثقافات" و "حق الاختلاف الثقافي" و "التَّعَدُّدِيَّـة الثَّقَـافِية"، قد نشأت في قلب سيرورة الفكر الديموقراطي المعاصر ذاته. و لم تلبث هذه الحركة أن تطورت شيئا فشيئا، و بدأت أفكارها في الانتشار، و إعطاء ثمارِها في فضاء الحوار بين الثقافات، و تنمية العلاقات الثَّقَـافِية بين الدول. مِمَّـا جعل المجتمع الدولي يأتلف بالتدريج، و لو على المستوى النظري، مع فكرة أن الثقافات البشرية مهما اختلفت، فهي من حيث المبدأ على الأقل تتعادل فيما بينها. و هذا المبدأ ذو البعد الإنساني و الديموقراطي، و الذي تدعِّمُه التوجُّهَات الجديدة للدراسات و الأبحاث في الأنثروبولوجيا الثَّقَـافِية المعاصرة، يقضي نظريا و أخلاقيا، بأنه لم يعد هناك مجال للحديث عن ثقافات بشرية مُتفاضِلة فيما بينها، و مُرتبة في سُلم التقدم؛ فيها الأرقي و الأدنى و الممتاز و المنحط. و من شأنه أن يَؤسِّـس للثقافات البشرية فضاءً للنمو و التفتح والازدهار، في أحضان حضارة إنسانية يٌفترَض أنها شاملة لمكوِّنات مُتعدِّدة، و رحبة للجميع.
و من أجل دعم فكرة هذا الربط الحديث بين مفهوم الثقافة و الديموقراطية على المستوى العالمي، ثمة قرائن أخرى يمكن سردُها هنا. منها على سبيل المثال، أن مبادئ الحركة التي المذكورة، أضحت خلال فترة وجيزة، تتصدَّر الاهتمامات الكبرى لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و الثـقـافة والعلوم (اليونسكو)، التي يبدو أنها عثرت فيها أخيرا على الحجر الفلسفي المنشود، الذي بفضله يُمكنها مواصلة رسالتها في نشر ثـقـافة السلام و الحوار بين الثقافات في العالم(3). و منها كذلك، أنه في هذا المناخ الثقافي الديموقراطي الجديد بالذات، اغتنت منظومة حقوق الإنسان (الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان،1948)، بولادة جيل ثالث من الحقوق. و يتعلق الأمر بقائمة الحقوق الثَّقَـافِية التي تهم الجنس البشري بأسره، و منها الحق في الاعتراف بالحرية الثَّقَـافِية للجميع، و الحق في الاستفادة من التراث الثقافي المشترك للبشرية جمعاء (4).
و ما هو من قبيل الواضح للعيان حتى الآن، أن مسألة "التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية"، صارت تحتل بالتدريج مكانة أوسع في فضاء العالم المعاصر، إلى حد يمكننا القول فيه، و بدون خشية الوقوع في المبالغة، إن أغلب مجتمعات الألفية الثالثة ستكون مجتمعات متعددة الثقافات. كما نتوقَّع، في المستقبل المنظور، أن صيغة السؤال الأساسي الذي يمكن أن يطرَحُ حول هذه المسألة، ستتحول من " هل يجب قبول التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية أم رفضها"، إلى: " إذا كان من اللازم التسليم بمبدأ التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، فإلى أية حدود؟".
و هنا يحِق لنا أن نتساءل: تُرَى هل خَلَّفَت هذه التحولات الدلالية التي طرأت على مفهوم الثَّـقافَة في اتجاه الديموقراطية، أصداءً في منظومتنا الثَّقَـافِية العربية الإسلامية؛ و ما هو الموقع الفعلي لقضية الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية، في هذه المنظومة؟
بداية نقول، إن الاختلاف بين الكيانات الثقافات البشرية المتواجدة في عالم اليوم، واقع حقيقي يصعب غَضُّ الطرف عنه. و واقِع حقيقي كذلك، أن هناك اختلافات فعلية، نسبية و متفاوتة في الحِدَّة و الدرجة بالتأكيد، توجد حتى داخل المجموعات الثقافية التي تربطها علاقات القرابة أو الجوار؛ بل حتى داخل نفس الكيان الثقافي الواحد الذي يُفترض أنه منسجم و متجانس. و نعتقد أن هذا هو حال ثقافتنا العربية الإسلامية أيضا. و بصدد مسألة الاختلاف، يبدو أن ثقافتنا تعاني من مفارقة لافتة للنظر، تتَجلَّى في كوننا، في الشعارات الثقافية التي نرفعها، ندافع بحماس عن حق الاختلاف و التَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و الثقـافية على المستوى العالمي، و خاصة عندما نكون في موقف الدفاع عن ثقافتنا ضد الثقافة الغربية الغازية و المُهيمنة. و لكننا سرعان ما نتنكَّر لمضامين هذه الدعوة، عندما يُنادى بها في مجتمعاتنا و أقطارنا، بل قد لا نتردَّد في التصدِّي لها و محاربتها.
و كأن ثقافتنا العربية الإسلامية قد خلت من شوائب التعدد، و كأنها شكَّلت دائما وحدة متجانسة، و ظلَّت خلال جميع الحقب التاريخية لتطورها، في منأى من عوارض الصراع و الخلاف والزمن. في حين أن الخلاف فيها قائم و يسكنها تاريخيا و واقعيا. فتاريخها هو، ككل تواريخ ثقافات العالم، ميدان للخلاف و الاختلاف، مما يتنافى طبعا مع المواقف و النزعات التي تأبى إلا أن تتحدث عنه بلغة الكمال و التنزيه و التوحيد. و مَن باستطاعته إنكار واقع أنه، على امتداد الأقطار المنتمية كليا أو جزئيا إلى هذه الثقافة، تنساكن مجموعات بل أقوام ذوو جذور ثقافية متنوعة، أسهمت ثقافاتهم بالتأكيد في إثرائها، بل ربما لم تستطع ثـقافَتنا العربية الإسلامية أن تضرب بجذورها في أعماق تربة و بيئة تلك الأقطار، إلا بفضل استيعابها و تمثلها للعناصر الحيَّة في تلك الثقافات المحلية؟
و لكن الاعتراف بالوجود الواقعي و التاريخي، لتنويعات و أشكال ثقافية فرعية هامة، داخل نفس الثَّـقافَة الأم، لا يجب أن يُؤخذَ على أنه دعوة ضمنية أو صريحة، إلى تضخيم تلك الاختلافات إلى حد إعطائها قيمة مطلقة، و إلا انقلب الأمر إلى تشتيت لا نهاية له للآراء و المعتقدات والجُهود، و بالتالي إلى تشجيع للتجزئة والتفرقة والتنازع(5).
و يبقى المهم في تقديرنا، هو نوعية التأويل و الاستثمار الممكن التعامل بواسطتهما مع هذه الظاهرة. نحن نرى أن بمقدورنا تغيير وجهة نظرنا إلى ظاهرة الاختلافات الثقافية الفرعية، داخل نفس الثَّـقافَة الواحدة، بحيث تصبح أكثر إيجابية. فهذه الاختلافات، التي هي اختلافات طبيعية و توجد في جميع المجتمعات، ينبغي ألا تتحول إلى عناصر تذكِى صراعا مكبوتا، بل يجب إيجاد آليات لتدبيرها سلميا، داخل مناخ القبول بالتَّعَدُّدِيَّـة الفكرية و حق الاختلاف الذي تنظمه قواعد الديموقراطية، و يستمر في إطار وفاق يتجدد بالوسائل الديموقراطية. و خارج هذا الإطار، من الصعب تصَوُّر كيف يستقيم عندنا الحوار الثقافي الداخلي بين مكونات المجتمع المدني، من أجل تحقيق الطموحات المشروعة لشعوبنا وأقطارنا في إنجاح مشاريع التقدم الاجتماعي، و التنمية الديموقراطية و الحداثة السياسية، و لماذا لا الاتحاد السياسي في نهاية المطاف؟ (6).
2. أمامنا قضية حَيَوِيَّة تكاد تصبح من البديهيات في عالم اليوم: إن إنجاح و دعم مشروع التحرُّر والتنمية و الحداثة السياسية في أي مجتمع، بات يتوقف كثيرا على مدى تشرُّب ثقافة البلد المَعْنِي بالفكر الديموقراطي. و أقطارنا لا يمكن أن تظل إلى الأبد مُشَكِّلَة استثناء بالقياس إلى قاعدة الديموقراطية هذه، التي تتسع و تنتشر في معظم أرجاء العالم، و تشُق طريقها في العديد من البلدان التي رزحت طويلا تحت نير الديكتاتوريات.
و بصدد التساؤل عن موقع الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يجْمُلُ بنا في البدء، الاعتراف بأن من الهموم الكبرى التي لا تزال تهيمِن على المناقشات عند نُخَبِنا المثقفة، المفكرة و المناضلة، موضوعات تكاد كلها تدور حول واحد أساسي: مظاهر الغياب الملحوظ للديموقراطية، في أعرافنا و تقاليدنا و أساليبنا في تداول الحكم و تدبير الشأن العام. و هناك صُوَر و وَضْعِيَّـات شاذة، كثيرا ما يُلمَّحُ إليها في هذا السياق أو تُذْكَرُ صراحة. منها على سبيل المثال ما تعيشه أغلب المجتمعات العربية الإسلامية، في مستويات و درجات متفاوتة، من كبت و قمع للحريات المدنية والسياسية والفكرية؛ و من تعسُّف يطال الحقوق الفردية و الجماعية؛ و من قهر و إذلال يمَسَّان بالكرامة الإنسانية؛ و من تفاوت صارخ في توزيع الثروة و الحقوق و المعرفة و الحظوظ، ، ومن نبذٍ لمبدأ احترام التَّعَدُّدِيَّـة الثقافية والسياسية، و من نُدْرَةَِ توفر عُنصُري الحرية و النزاهة في أغلب الانتخابات و الاستفتاءات التي تُجرَى في بلداننا، و من تشويه لمضمون التمثيل و المشاركة الحقيقيين في أغلب المؤسسات، و من صُورية التناوب و التداول على الحكم و السلطة، إلا فيما ندر و خرج عن المألوف، و من غياب للمحاسبة و المساءلة الشفافة، ثم مما شاع من فساد مسْتَشْرٍ في أجهزة و أوصال السلطة ذاتها!
و بخصوص الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب المُزمِن للديموقراطية في تراثنا الثقافي، يتَّجٍه تفكيرنا بشكل خاص، صوب تحليلات المفكر العربي برهان غليون، حول موضوع "إشكالية الثَّـقافَة و الديموقراطية في واقعنا العربي". و هي تحليلات يبدو لنا أنه لم يظهر إلى حد الآن، ما يمكِن أن يُشكِّك في مصداقيتها، أو يضعف من راهنيتها. و تقوم على فرضية مفادُها، أن مسألة الديموقراطية لم تُطرَح إلى حد الآن، في جل البلدان العربية و الإسلامية، كقضية جِدِيَّة و جوهرية و ضرورية، تتعلق بتقديم حلول لا بد منها، لمسألة اجتماعية أساسية هي مسألة الحكم و تناقض المصالح و الأهداف، للفئات الاجتماعية المختلفة التي تتكون منها مجتمعاتنا. و لكنها طُرِحَت ، في أحسن الفروض، كمظهر من مظاهر التقدم السياسي يتم اكتسابه مثلما يتم اكتساب الصناعات و العلوم و بقية التقنيات العملية الحديثة"(7). و هذا الطرح الصُّوري لمسألة الديموقراطية في ثقافتنا السائدة، يُعَدُّ من وجهة نظرنا، من العوامل الأساسية المساهمة في إفشال أغلب التجارب الديموقراطية في الوطن العربي. و بالتالي في تراكم مشاعر اليأس و الإحباط في النفوس، مما يُوَلِّدُ و ينمي الانطباع العام بأن الغاية من احتضان الديموقراطية بين ظَهْرَانَيْنَا، عندما يُعلَن عن ذلك أمام الملأ و تُعْقَـدُ النية عليه فعلا، تكاد تكون من باب تبرئة الذمة حيال المجتمع الدولي، أو في أفضل الافتراضات، من باب الظهور بمظهر من يتباهى بامتلاكها لأنها من أمَارات التقدم و المعاصرة (8).
و الحق أن الديموقراطية، إذا لم تلق في أوطاننا نجاحا كبيرا مُعْتَرَفا، به و مشهودا له عالميا بالمصداقية، في ما عدا باحات محدودة، و هوامش نادرة هنا و هناك، فذلك لكون مجتمعاتنا دخلت المجال السياسي الحديث، بثقافة وارِثة لعوائق ذاتية من الماضي التاريخي، أصبحت تحول بيننا و بين احتضانها. و لعل أهم تلك العوائق التي لم نستطع التحرُّر منها و لا تذليلها حتى الآن؛ و التي نحرص على إثارتها في هذه الظرفية التاريخية بالذات، أن الفكر الديني السياسي المتزمِّت، يظل راسخا في ثقافتنا، و كأنه ذلك المكبوت اللاشعوري الضارب بجذوره في أعماقها، و الذي يتحيَّن الفرص دائما للظهور و للانقضاض و السيطرة من جديد. و هذا الواقع المُزْمِن و المُعقَّد يجعل ثقافتنا السائدة تُعِيد باستمرار إنتاج علاقات الخضوع و الامتثال و كأنها أمور طبيعية، كما يُكسِبَها قابلية مُتجدِّدة لتوليد ظروف التطرُّف، و ظروف الاستبداد الذي لا يخجل أحيانا من الظهور بمظاهر علمانية متحررة.
و هكذا فإن الصراع في مجتمعاتنا، الذي هو صراع طبيعي و يوجد في جميع المجتمعات البشرية المتواجدة في العالم، لا تساعد مثل هذه الثَّـقافَة السائدة عندنا على إيجاد آليات لتدبيره ديموقراطيا و سلميا. و حتى الثورات التي شهدها مسرح عالمنا العربي الإسلامي، طيلة العقود الماضية، و التي دغدغ بعضها أحلامنا زمنا، لم تخدم قضية الديموقراطية كثيرا، و لم تعمل على استتبابها في بيئتنا، لأنها لم تلبث هي ذاتها أن تحولت إلى استبداد، كثيرا ما لعبت ظروف دولية معينة لُعبتَها في مده بشروط الحياة و الاستمرار.
و رغم مرور أكثر من قرن على بداية ما نعتبره نهضتنا الحديثة، فإن ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة، ، تبدو و كأنها لا تزال تعاني أطوارا أخرى من أطوار مخاض الحداثة العسير، أو بعبارة أخرى، و من منظور آخر أقلَّ تفاؤُلا: تبدو و كأن جميع المجهودات و التضحيات المبذولة طيلة قرن كامل، من أجل إصلاحها و جعلها مقدمة للتحديث السياسي، ذهبت عبثـا وهـَدْراَ، كما يُلَمِّحُ إلى ذلك بنبرة تبعث على الحسرة، عنوانُ كِتاب فرنسي جديد حول هذا الموضوع، صدر في فترة الأزمة الأخيرة التي عِشناها بمرارة، في الشهور القريبة الماضية، و التي انتهت كما يعلم الجميع، بمأساة انهيار دولة العراق و بسقوط كثير من الأقنعة، و انكشاف الحقائق عارية. لقد تبيَّن بالملموس أن غياب العدالة و الديموقراطية قد يُفضِي في الحالات القصوى، إلى انصراف الشعوب عن مساندة الأنظمة المستبدة، وإلى تجرؤ إمبراطورية عالمية جديدة، على احتلال أرض شعب عريق، و نهب تراثه و تدمير ثقافته، تحت راية التحرير والإنقاذ! (9).
و مما يساهم في تعقيد أكبر للأمور بالنسبة لنا، أنه إلى جانب ظواهر غياب الديموقراطية التي تشل حركتنا و محاولات انطلاقنا؛ و إلى جانب حالة الإحباط و الإنهاك العام، التي أصبحت تطبع مسيرتنا، بسبب فشل مسلسل التجارب الإصلاحية، و سلسلة الإخقاقات المتتالية، و خيْبَات الأمل، وتنامي أوضاع الشعور بالعجز التي تخيم علينا؛ إلى جانب ذلك، ينضاف الآن إلى المعادلة عنصر آخر، يتمثل في كون مطامح مجتمعاتنا في التحرر و التنمية و التقدم، أصبح المجالُ الحالي لتحققها يتحدَّد داخل سياق دولي و ثقافي ينحو أكثر فأكثر ليكون في غير صالحنا، إن لم نقل معاديا لنا صراحة، بسبب الهيمنة و الأطماع الاستعمارية الجديدة، و ضخامة المواجهة مع التحدي الصهيوني المفروضة على بداننا، منذ ما ينيف عن نصف قرن.
لكن الإقرار بهذه الحقائق، لا ينبغي أن يكون ذريعة لنا لنبقى في هذه الحالة من الشلل. و هذه المحنة، أو بالأحرى هذا المأزق الذي تعاني منه الديموقراطية في بيئتنا، ينبغي ألا يجعلنا نلين فنحكُم متشائمين بأنها غير متأصلة في ثقافتنا وأعرافنا، و في جميع مناحي وجودنا العربي الإسلامي، و بالتالي لا يمكن احتضانها و استنباتها عندنا إلا مُشوَّهَة. و الحق أن الوعي التاريخي بات يُحَتِّمُ علينا التحلِِّي بالأمل و بالعزيمة، و الاستمرار في بذل الجهود و المحاولات من أجل تهيئ ثقافتنا لكي تستوعب و تحتضن بشكل واع و صريح الفكر الديموقراطي و مكتسباته، التي أصبحت الآن شئنا أم أبينا، من سِمَات ثقـافة إنسانية، ذات توجهات كونية لا سبيل إلى تجاوزها، بل يبدو أن من العبث التفكير أصلا في مثل هذا التجاوز.
فما دام هناك، على المستوى العالمي، تأكيد متزايد على الترابط المتين بين التحرُّر السياسي، و إيجاد حلول لمشاكل التنمية و التحديث و السياسي من جهة، و بين تبني الديموقراطية و احترام حقوق الإنسان من جهة ثانية (10). و ما دامت الديموقراطية من هذه الزاوية للنظر، تسير في طريق أن تصبح مطمحا لأغلب شعوب العالم؛ و بالتالي ما دامت حاجتنا إليها لا تنتفي، أبدا حتى لو اتضح الآن أنَّ مَثَلهاُ الأعلَى في هذا العصر، غدا مطيَّـةً تركب عليها الأطماع التوسعية للإمبراطوريات العالمية الجديدة. ما دام الأمر كذلك، فهل من المعقول أن نُستثنى وحدنا، نحن العرب و المسلمين، من مكتسبات الاختيار الديموقراطي؟ و هل ممَّا يفوق طموحنا و إرادتنا، أن تصبح ثقافتنا بدورها، من جديد ربما، ثقافة العقل و العلم والإنسان والحرية والتقدم والمساواة و التنوير و حقوق الإنسان؟
كلا، إن الدعوة لا تتعلق بموسم الهجرة إلى الديموقراطية، كما يقال و يُكتب في هذه الأيام في العديد من المنابر! و كلا، ليست الديموقراطية هي وهمُنا الجديد الذي نعيش عليه، و إنما الوهمُ كل الوهمِ أن نتصوَّر أنه في وسعنا أن نجد، في اختيارات أخرى غيرِها، ما لا تستطيع هي أن تقدمَّه لنا.
و ليس بخاف علينا حقا، أن معركَة إدماج الديموقراطية، ضمن المشروع الحضاري لإصلاح ثقافتنا و تحديثها، و لإتاحة فرصة التفتح والاغتناء أمام هُويتنا، بقدر ما يتأكد تدريجيا أنها غَدَتْ ضرورة وطنية و قومية، بقدر ما نلمس عن كثب أن الأمر في شأنها، يستدعي تغيير كثير من القيم و الأفكار السائدة عندنا، ذات الصلة بمسألة تطوير سياساتنا تجاه القضايا الاجتماعية و الاقتصادية. مما يعني بوضوح، أن إشكال البناء الديموقراطي هو بطبيعته أشد تعقيدا، و يحتاج إلى زمن أطول، و ربما إلى أجيال أخرى، ذلك لأنه يتعلق بالعقليات و بإيقاعات تغيُّرها (11). و تحضرُنا في هذا المقام، عبارة شهيرة للطبيب النمساوي سيجموند فرويد، مقتطفة من نصٍّ نشره سنتين قبل وفاته، مودِعاً فيها عُصارَة تجاربه في الاحتكاك بالواقع البشري: " ...هناك ثلاث مِهن يبدو أنها في غاية الصعوبة؛ ذلك لأن الفشل فيها مُتَوَقَّـعٌ سلَفاً؛ إنها فَـنُّ حُكم الناس و تدبير شؤونهم، و فَـنُّ تربيتهم، ثم فَـنُّ علاجهم" (12). [/size]