أسرار
27-09-2004, 08:42 PM
قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم.
يعني أن الواصلين إلى الله تعالى على قسمين: قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وهم المجذوبون المرادون الذين لم يتكلفوا شيئاً، بل واجهتهم الأنوار فحصلت منهم الأذكار.
وإذا حلت الهداية قلباً***نشطت للعبادة الأعضاء
وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم، وهم المريدون السالكون، فمتى اجتهدوا في الأذكار حصلت لهم الأنوار واهتدوا لمرضاة العزيز الغفار. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) سورة العنكبوت الآية 69. ثم بين حال الفريقين بعبارة أخرى فقال:
ذاكر ذكر ليستنير قلبه، وذاكر استنار قلبه فكان ذاكراً.
الأول راجع للفريق الثاني وهم السالكون، والثاني راجع للفريق الأول وهم المجذوبون، وكل على نور.
ما كان ظاهرُ ذكرٍ، إلا عن باطن شهود وفكر.
يعني أن الذكر الظاهر - والمراد به الأعمال الظاهرة جميعها - لا تكون إلا عن باطن شهود الحق جل شأنه، والتفكر في آثار قدرته، فإن صلاح الظاهر تابع لصلاح الباطن. وإنما خص الذكر بالذكر من بين سائر الأعمال لأنه روحها والمقصود بالذات منها، قال تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) سورة طـه الآية 14. ثم وضح هذا المعنى بقوله:
أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلـهيته الظواهر، وتحققت بأحديته القلوب والسرائر.
أي أطلعك سبحانه على وحدانيته بتجلي أنوار المعارف على قلبك، حتى شاهدت ذلك على حسب قدرك، من قبل أن يستشهدك - أي يطلب منك أن تشهد بعظمته وجلاله بذكرك وعبادتك - فإن الذكر والعبادة شهادة منك بعظمة المذكور والمعبود، فنطقت بألوهيته - أي ما يدل عليها - الظواهر - أي الجوارح - بأن أتت بالأعمال التي تكاد تنطق بعظمة ذي الجلال، وهذا راجع للاستشهاد.
أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكراً له، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك. وجعلك مذكوراً به؛ إذ حقق نسبته لديك. وجعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك.
يعني أن الله تعالى أكرمك أيها المؤمن بثلاث كرامات جمع لك فيهن أنواع الفضائل والمبرات: الأولى: جعلك ذاكراً له بلسانك وقلبك، ووجه حلاوة ذلك إليك، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك.
والثانية: جعلك مذكوراً به عند الناس، بأن يقال: هذا ولي الله وذاكره، إذ حقق نسبته - أي خصوصيته - لديك، وهي ما أظهره من أنوار الذكر والطاعة عليك.
والثالثة: جعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك بمزيد الإكرام ومنتهى الفضل والإنعام. وفي الحديث القدسي: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". وقال صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده". والعندية هنا عندية مكانة - أي شرف - لا مكان، تعالى الله عن ذلك.
اشتغل بإصلاح عيوبك و لا تعلق همتك إلا بالله
اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة. فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم، لأنهم لله لا لشيء دونه، (قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ). سورة الأنعام، الآية 91.
أي اهتدى السالكون السائرون إلى الله تعالى بأنوار التوجه -أي الأنوار الناشئة من العبادات، والرياضات التي توجهوا بها إلى حضرة الرب- فإن الله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت، الآية 69. والواصلون إلى الله تعالى لهم أنوار المواجهة أي التقرب والتحبب -فالأولون عبيد للأنوار- لاحتياجهم إليها في الوصول إلى مقصودهم. وهؤلاء -أي الواصلون- الأنوار لهم، لأنهم لله لا لشيء دونه، عملاً بإشارة قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ) أي توجه إليه، ولا تمل إلى أنوار ولا غيرها، (ثُمَّ ذَرْهُمْ) -أي اتركهم- (فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). فإفراد التوحيد بعد فناء الأغيار هو حق اليقين. ورؤية ما سوى الله خوض ولعب.
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.
تشوفك، بالفاء في الموضعين، أي تطلعك بعين البصيرة إلى ما بطن، أي خفي فيك، من العيوب والأمراض القلبية؛ كالكبر والحقد والعجب والرياء والسمعة والمداهنة وحب الرياسة والجاه ونحو ذلك، حتى تتوجه همتك إلى زوال ذلك بالرياضة والمجاهدة، خصوصاً على يد شيخ عارف، خير لك من تطلعك إلى ما حجب عنك من الغيوب، أي ما غاب عنك، كالأسرار الإلهية، والكرامات الكونية، لأن هذا حظ نفسك، وذلك واجب عليك لربك.
الاستقامة هي الكرامة الكبرى
ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة.
يعني: أن الكرامة التي هي الأمر الخارق للعادة لا عبرة بها عند المحققين، وإنما الكرامة الحقيقية هي الاستقامة. ومرجعها إلى أمرين: صحة الإيمان بالله عز وجل، واتباع ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً. ولذا قال أبو يزيد: لو أن رجلاً بسط مصلاه على الماء وتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي.
وقيل له: إن فلاناً يمر في ليلة إلى مكة، فقال: إن الشيطان يمر في لحظة من المشرق إلى المغرب. وقيل له: إن فلاناً يمشي على الماء، فقال: الحيتان في الماء والطير في الهواء أعجب من ذلك.
من علامة إقامة الحق لك في الشيء إقامته إياك فيه مع حصول النتائج.
يعني: أن من علامة إقامة الله تعالى لك في الشيء كالاكتساب أو التجريد إقامته - أي إدامته- إياك فيه مع حصول النتائج -أي الثمرات- كسلامة الدين ووجود الربح من الكسب.
من عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، ومن عبر من بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء.
يعني: أن من انبسط لسانه بالنصيحة والموعظة والتكلم في علوم القوم وعبر من بساط إحسانه -أي من إحسانه للطاعة الشبيه بالبساط- أصمتته -أي أسكتته- الإساءة، فينقبض عن ذلك التعبير عند صدور المعصية منه لما يعتريه من الخجل والحياء من ربه، وهذه طريقة أهل التكليف الذين ينظرون إلى ما منهم إلى الله.
وأما من عبر من بساط إحسان الله إليه فإنه لم يصمت إذا أساء -أي لم يسكت عن التعبير إذا صدرت منه معصية- لأن غيبته عن نفسه ومشاهدته لوحدانية ربه أوجبت جراءته على ذلك ، وهذه طريقة أهل التعريف الذين ينظرون إلى ما مِنَ الله تعالى إليهم.
يعني أن الواصلين إلى الله تعالى على قسمين: قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وهم المجذوبون المرادون الذين لم يتكلفوا شيئاً، بل واجهتهم الأنوار فحصلت منهم الأذكار.
وإذا حلت الهداية قلباً***نشطت للعبادة الأعضاء
وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم، وهم المريدون السالكون، فمتى اجتهدوا في الأذكار حصلت لهم الأنوار واهتدوا لمرضاة العزيز الغفار. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) سورة العنكبوت الآية 69. ثم بين حال الفريقين بعبارة أخرى فقال:
ذاكر ذكر ليستنير قلبه، وذاكر استنار قلبه فكان ذاكراً.
الأول راجع للفريق الثاني وهم السالكون، والثاني راجع للفريق الأول وهم المجذوبون، وكل على نور.
ما كان ظاهرُ ذكرٍ، إلا عن باطن شهود وفكر.
يعني أن الذكر الظاهر - والمراد به الأعمال الظاهرة جميعها - لا تكون إلا عن باطن شهود الحق جل شأنه، والتفكر في آثار قدرته، فإن صلاح الظاهر تابع لصلاح الباطن. وإنما خص الذكر بالذكر من بين سائر الأعمال لأنه روحها والمقصود بالذات منها، قال تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) سورة طـه الآية 14. ثم وضح هذا المعنى بقوله:
أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلـهيته الظواهر، وتحققت بأحديته القلوب والسرائر.
أي أطلعك سبحانه على وحدانيته بتجلي أنوار المعارف على قلبك، حتى شاهدت ذلك على حسب قدرك، من قبل أن يستشهدك - أي يطلب منك أن تشهد بعظمته وجلاله بذكرك وعبادتك - فإن الذكر والعبادة شهادة منك بعظمة المذكور والمعبود، فنطقت بألوهيته - أي ما يدل عليها - الظواهر - أي الجوارح - بأن أتت بالأعمال التي تكاد تنطق بعظمة ذي الجلال، وهذا راجع للاستشهاد.
أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكراً له، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك. وجعلك مذكوراً به؛ إذ حقق نسبته لديك. وجعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك.
يعني أن الله تعالى أكرمك أيها المؤمن بثلاث كرامات جمع لك فيهن أنواع الفضائل والمبرات: الأولى: جعلك ذاكراً له بلسانك وقلبك، ووجه حلاوة ذلك إليك، ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك.
والثانية: جعلك مذكوراً به عند الناس، بأن يقال: هذا ولي الله وذاكره، إذ حقق نسبته - أي خصوصيته - لديك، وهي ما أظهره من أنوار الذكر والطاعة عليك.
والثالثة: جعلك مذكوراً عنده، فتمم نعمته عليك بمزيد الإكرام ومنتهى الفضل والإنعام. وفي الحديث القدسي: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه". وقال صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده". والعندية هنا عندية مكانة - أي شرف - لا مكان، تعالى الله عن ذلك.
اشتغل بإصلاح عيوبك و لا تعلق همتك إلا بالله
اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة. فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم، لأنهم لله لا لشيء دونه، (قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ). سورة الأنعام، الآية 91.
أي اهتدى السالكون السائرون إلى الله تعالى بأنوار التوجه -أي الأنوار الناشئة من العبادات، والرياضات التي توجهوا بها إلى حضرة الرب- فإن الله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت، الآية 69. والواصلون إلى الله تعالى لهم أنوار المواجهة أي التقرب والتحبب -فالأولون عبيد للأنوار- لاحتياجهم إليها في الوصول إلى مقصودهم. وهؤلاء -أي الواصلون- الأنوار لهم، لأنهم لله لا لشيء دونه، عملاً بإشارة قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ) أي توجه إليه، ولا تمل إلى أنوار ولا غيرها، (ثُمَّ ذَرْهُمْ) -أي اتركهم- (فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). فإفراد التوحيد بعد فناء الأغيار هو حق اليقين. ورؤية ما سوى الله خوض ولعب.
تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.
تشوفك، بالفاء في الموضعين، أي تطلعك بعين البصيرة إلى ما بطن، أي خفي فيك، من العيوب والأمراض القلبية؛ كالكبر والحقد والعجب والرياء والسمعة والمداهنة وحب الرياسة والجاه ونحو ذلك، حتى تتوجه همتك إلى زوال ذلك بالرياضة والمجاهدة، خصوصاً على يد شيخ عارف، خير لك من تطلعك إلى ما حجب عنك من الغيوب، أي ما غاب عنك، كالأسرار الإلهية، والكرامات الكونية، لأن هذا حظ نفسك، وذلك واجب عليك لربك.
الاستقامة هي الكرامة الكبرى
ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة.
يعني: أن الكرامة التي هي الأمر الخارق للعادة لا عبرة بها عند المحققين، وإنما الكرامة الحقيقية هي الاستقامة. ومرجعها إلى أمرين: صحة الإيمان بالله عز وجل، واتباع ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً. ولذا قال أبو يزيد: لو أن رجلاً بسط مصلاه على الماء وتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي.
وقيل له: إن فلاناً يمر في ليلة إلى مكة، فقال: إن الشيطان يمر في لحظة من المشرق إلى المغرب. وقيل له: إن فلاناً يمشي على الماء، فقال: الحيتان في الماء والطير في الهواء أعجب من ذلك.
من علامة إقامة الحق لك في الشيء إقامته إياك فيه مع حصول النتائج.
يعني: أن من علامة إقامة الله تعالى لك في الشيء كالاكتساب أو التجريد إقامته - أي إدامته- إياك فيه مع حصول النتائج -أي الثمرات- كسلامة الدين ووجود الربح من الكسب.
من عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، ومن عبر من بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء.
يعني: أن من انبسط لسانه بالنصيحة والموعظة والتكلم في علوم القوم وعبر من بساط إحسانه -أي من إحسانه للطاعة الشبيه بالبساط- أصمتته -أي أسكتته- الإساءة، فينقبض عن ذلك التعبير عند صدور المعصية منه لما يعتريه من الخجل والحياء من ربه، وهذه طريقة أهل التكليف الذين ينظرون إلى ما منهم إلى الله.
وأما من عبر من بساط إحسان الله إليه فإنه لم يصمت إذا أساء -أي لم يسكت عن التعبير إذا صدرت منه معصية- لأن غيبته عن نفسه ومشاهدته لوحدانية ربه أوجبت جراءته على ذلك ، وهذه طريقة أهل التعريف الذين ينظرون إلى ما مِنَ الله تعالى إليهم.