اليماني
20-06-2004, 11:59 PM
من بين الأوصاف التي أطلقها نيتشه على الحضارة الحديثة كونها "حضارة صحف". إنها حضارة "الحمى والجهد الباطل". عالمها "عالم الصحائف والأوراق", وإنسانها "عبد اليوم وعبد الورق", هذا قبل أن يغدو "عبد الصورة وعبد الشاشة". وهو في الحالتين كلتيهما عبد الخبر. إنه لا يكف عن تسقط الأخبار ومتابعة الأحداث, ومواكبة المستجدات كل يوم, بل كل لحظة. لا يكف يلهث وراء ما يجري ليعيش الأحداث في جزئياتها ووقائعها.
ومع ذلك, لم يكن نيتشه ليرى في هذا التكالب المتزايد على الخبر ومتابعة الأحداث دليلاً على كثرة هذه بقدر ما كان يرى في ذلك علامة على غياب الأحداث الجسام, غياب الواقعات, أو, على الأصح, عدم قدرة الإنسان الحديث على أن يحيا الأحداث التاريخية الكبرى, وأن يدركها في بعدها التاريخي ودلالتها العميقة. لذلك فهو يغرق في جزئياتها, بحيث تغدو هي غذاءه اليومي, أو "صلاته الصباحية" على حد تعبير هيغل.
ذلك أن الاقتراب الشديد, وعدم خلق المسافة الضرورية لا يمكّن الإنسان الحديث من ادراك الوقائع, وإنما يجعله يضيع في جزئياتها, بل انه يجعل الوقائع ذاتها تضيع وتنحل وتتفتت. على هذا النحو لا تغدو "قراءة الصحيفة عبادة الصباح" وإنما عبادة "وثنية" للحظي, وتغدو وسائل الإعلام, بما لها من قدرة على أن تجعلنا نعيش الوقائع وقت حدوثها, أدوات لإذابة الأحداث وتحليلها الكيماوي وتحويلها إلى مركباتها: تحويل الحروب إلى معارك متفرقة, وتحويل المواقف إلى ردود أفعال متناثرة, والآراء إلى تصريحات متضاربة, والقرارات إلى مواقف متقلبة, والأفكار إلى انطباعات مترددة, والاعتداءات إلى عمليات دفاع عن النفس, والاحتلال إلى محاولات اصلاح... الأمر الذي يجعلنا في النهاية على اطلاع كبير على دقائق الأمور من غير أن نتمكن من معرفة خفاياها, أو على الأقل من إدراكها في جسامتها ودلالتها التاريخية.
هل نحتاج إلى التدليل على كل هذا بما عشناه في حرب أفغانستان وما نعيشه اليوم مع حرب العراق؟!
نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية(www.islammareeb.netmareeb.netmareeb.net.net)
>>>>>>>>>>>>>>> اليماني <<<<<<<<<<<<<<<
ومع ذلك, لم يكن نيتشه ليرى في هذا التكالب المتزايد على الخبر ومتابعة الأحداث دليلاً على كثرة هذه بقدر ما كان يرى في ذلك علامة على غياب الأحداث الجسام, غياب الواقعات, أو, على الأصح, عدم قدرة الإنسان الحديث على أن يحيا الأحداث التاريخية الكبرى, وأن يدركها في بعدها التاريخي ودلالتها العميقة. لذلك فهو يغرق في جزئياتها, بحيث تغدو هي غذاءه اليومي, أو "صلاته الصباحية" على حد تعبير هيغل.
ذلك أن الاقتراب الشديد, وعدم خلق المسافة الضرورية لا يمكّن الإنسان الحديث من ادراك الوقائع, وإنما يجعله يضيع في جزئياتها, بل انه يجعل الوقائع ذاتها تضيع وتنحل وتتفتت. على هذا النحو لا تغدو "قراءة الصحيفة عبادة الصباح" وإنما عبادة "وثنية" للحظي, وتغدو وسائل الإعلام, بما لها من قدرة على أن تجعلنا نعيش الوقائع وقت حدوثها, أدوات لإذابة الأحداث وتحليلها الكيماوي وتحويلها إلى مركباتها: تحويل الحروب إلى معارك متفرقة, وتحويل المواقف إلى ردود أفعال متناثرة, والآراء إلى تصريحات متضاربة, والقرارات إلى مواقف متقلبة, والأفكار إلى انطباعات مترددة, والاعتداءات إلى عمليات دفاع عن النفس, والاحتلال إلى محاولات اصلاح... الأمر الذي يجعلنا في النهاية على اطلاع كبير على دقائق الأمور من غير أن نتمكن من معرفة خفاياها, أو على الأقل من إدراكها في جسامتها ودلالتها التاريخية.
هل نحتاج إلى التدليل على كل هذا بما عشناه في حرب أفغانستان وما نعيشه اليوم مع حرب العراق؟!
نقلا عن موقع الشبكة الإسلامية(www.islammareeb.netmareeb.netmareeb.net.net)
>>>>>>>>>>>>>>> اليماني <<<<<<<<<<<<<<<