الروهجان
12-06-2004, 07:39 PM
أولاً : مدينة مأرب ـ المركز الإداري للمحافظة ـ
أ- مدينة مأرب :
تقع هذه المدينة إلى الشرق من صنعاء وتبعد عنها نحو ( 173 كيلومتراً ) ، وتقع عند مصبات وادي أذنة على الضفة الشمالية للوادي .
التسمية : تسمية هـذه المدينة قديم جداً تعود إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد ، فـقـد ذكـرت
فــي نقوش من القرن الثامن قبل الميلاد باللفظ ( م ر ي ب ) ، وفي بعض النقوش المتأخرة ظهر اسمها باللفظ ( م ر ب ) .
ـ تاريخ المدينة : لقد توصلت الأبحاث الأثرية والدراسات التي أجراها الفريق الأثري الإيطالي في وادي يلا أن مدينة (حفري) ـ ربما ـ هي أقدم مدينة كانت العاصمة الإدارية لمملكة سبأ في بداية ظهورها ، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدينة مأرب وبداية اتخاذها كعاصمة إدارية لمملكة سبأ بدأ يظهر بكل وضــوح فـي الـقـرن الثامن قـبل المـيـلاد ويعـتبـر المستشرق الألمـانـي (WISSMANN H. V ) أن أقدم ذكر هو ما ورد في النقش الموسوم بـGL. 1719+1717+1718) )، وهو الذي سجله نائب الملك على مأرب وحاكمها الإقليمي ويذكر فيه مكرب سبأ " يدع إل / ينف " الذي حكم في ( 755 ق . م ) على أن الذي اختط المدينة هو " يثع أمر/ بين / بن / سمه علي/ مكرب / سبأ " وهو المكرب السبئي الذي حكم في نهاية الـقـرن الـثـامـن قـبـل المـيـلاد ـ في (715 ق . م ) ـ وذلك كما دونه هذا المكرب السبئي فـي النـقـش الموسوم بـ (Garbini – mm ) .
وبعـد أن اختط المدينة ذكر بأنه قام بتجديد الاتحاد الفيدرالي لقبائل دولة سبأ والذي يأتي في النقوش بالصيغة ( يوم / هوصت / كل / جوم / ذالم / وشيمم / وذ / حبلم / وحمرم ) .
وهكذا ظلت هذه المدينة هي العاصمة الإدارية لدولة سبأ من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي ـ أي ما يقارب ألف عام ـ ، لقد شهدت هذه المدينة الكثير والكثير من الأحداث سواءً من جانب تشييد بنيتها التحتية المتمثلة ببناء السد واستصلاح الأراضي الزراعية وبناء الأسوار والمعابد أو من الجانب العكسي وهو المحاولات العسكرية للاستيلاء عليها خاصة تلك الغزوة الرومانية التي وصلت إلى مشارفها في سنة ( 24 ق . م ) والتي عادت على أعقابها خائبة أو تلك المحاولات التي تمـت مـن قبل الريدانيين فـي القـرن الثاني الميلادي حتى أن الملـك المشهور ( شمر يهرعش ) وأبيه ( ياسر يهنعم ) عندما آلت إليهما أملاك الدولة السبئية في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي لم يقتحماها ، ولكن دخلاها بسلام لتنصيب نفسيهما ملكي سبأ وذى ريدان ؛ لأنها تمثل العاصمة السياسية السبئية ، وبعد تنصيب نفسيهما فيها عادا لمزاولة مهام الحكم من عاصمتهما ( ظفار - يريم) .
ـ ومن معالم مدينة مأرب :
- المدينة القديمة
- سد مأرب العظيم
- شبكة قنوات الري ( الجنتان )
- معبد عرش بلقيس ( برأن )
- معبد محرم بلقيس ( أوام )
1- مدينة مأرب القديمة :
تقع مدينة مأرب القديمة إلى الجنوب من مدينة مأرب الجديدة ، وكانت تشتمل على سور محيط بها يحتوى في داخله منشآتها المختلفة مثل المعابد ، الأسواق ، المنازل السكنية ... وغيرها أولاًـ سور المدينة : ذكر بناء السور في بادئ الأمر في نقشين من ( القرن الثامن قبل الميلاد) والموسومان بــ( Gl .418;GL . 479 ) حيث بناه المكرب السبئي " سمه علي ينف " ثم أضاف إليه المكرب السبئي " كرب إل وتر بن ذمر علي " بعض الأجزاء ، وشيدت فيه بوابتان وبعض الأبراج الدفاعية ، وكان ذلك في ( القرن السابع قبل الميلاد ) .
وقد شيد هذا السور في مرحلتيه من الأحجار المهندمة التي نحتت بعناية ، واستخدم في بنائه الطريقة الهندسية المعروفة ، وهي أن الصف الحجري الأسفل يبرز قليلاً عن الصف الحجري الأعلى، وهكذا يبدو الجدار بشكل مائل إلى الخارج وذلك ليزيد الجدار قوة ومناعة .
وقد تم توزيع الأبراج الدفاعية على السور بطريقة غير منتظمة تبعاً لاستراتيجية دفاعية اقتضتها الحاجة حينه ، فهناك برجان دفاعيان في الجدار الشمالي بلغت المسافة بينهما ( 10.50 متر ) ، كما أن الأبراج لا تتماثل بسعتها فأبعاد أحدها في جـهـة الغـرب ( 5.35 × 3 م ) وفي الشمال ( 6 × 2.70 م ) و( 5.60 × 3.83م ) ، وهي مشيده بأحجار كبيرة تختلف أبعادها وتقل حجماً كلما ارتفع البناء .
والسور اليوم يكاد أن يكون مطموس المعالم من حيث شكله ولكن استطاع الباحثون من تحديده تماماً بواسطة التصوير الجوي للمدينة القديمة ، وهو يتخذ شكلاً غير منتظم جرفت السيول والفيضانات بعض أجزائه الجنوبية وبقى منه بقية أساسات الأجزاء الأخرى الشرقية والشمالية والغربية ، ولم يعثر على مدخل واضح للمدينة خاصة أننا عرفنا أن " كرب إل وتر " بنى فيه بوابتين في القرن السابع قبل الميلاد ، فهناك فتحه تتخلل السور عند جانبه الغربي يحتمل أن تكون واحدة من أحد المدخلين ـ البوابتين ـ وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً لعدم وجود بقايا البرجين الدفاعيين اللذين دائماً ما يكتنفان مداخل المدن اليمنية القديمة .
تعرضت مدينة مأرب لبعض الأضرار بسبب السيول في عهد الملك " شمر يهرعش " ملك سبأ وذي ريدان الذي حكم في الربع الأخير من القرن الثالث الميـلادي ، حيـث ذكـر النقـش الموسوم بـ ( Ja. 651 ) الذي سجله أقيال قبيـلة مهأنف ـ التي كانت أراضيها في شمال وشمال شرق مدينة ذمار اليوم ـ ، فقد سجلوا بناء تحصينات دفاعية من السيول التي تهدد مأرب إلى جانب التحصينات الدفاعية العسكرية ، ويذكـرون أنـهم بناءاً على تكليف الملك " شمر يهرعش " لهم قاموا ببعض الأعمال والمراقبة في مدينة مأرب أثناء انعقاد الحج والكرنفال السنوي لمعبد ( أوام ) معبد ( المقة )، صادف أن سقطت أمطار غزيرة فاضطر الأقيال إلى القيام بأعمال الإنقاذ بالترميم والصيانة في المدينة تمثلت في إعادة بناء أسوار ومحافد مأرب إلى جانب قيامهم ببناء منشأة أطلق عليها النقش اسم ( م ض ر ف ن ) لحماية المدينة من أخطار السيول التي تهددها بعد أن هددت السيول الناتجة عن هذه الأمطار مدينة مأرب وخاصة في جزئها الجنوبي المطل على وادي أذنة .
وعندما زار المستشرق ( توماس ارنولد ) مدينة مأرب القديمة في سنة ( 1843 م ) قام بعمل رسم تخطيطي لها وذكر أنها مستديرة وأن بها ثمانية أبواب : فباب العقير في السور الغربي ، باب الحد في الجهة نفسها على مقربة من الركن الجنوبي الغربي ، وفي السور الشمالي باب النصر وباب الكار ، كما يذكر ـ أيضاً ـ باب المحرم وباب الدرب وباب القبلة وباب المجنة ، ولكن السيول جرفت جزءاً كبيراً من الخرائب وجرفت معها جزءاً كبيراً من الجدارين الجنوبي والشرقي ، ويبدو أن هناك أماكن كثيرة مكسورة في الجدران اعتبرها ( ارنولد ) أبواباً وسماها بالأسماء التي كان يطلقها عليها الأهالي .
ثانياً ـ مكونات المدينة داخل السور : تتألف من مرتفعات مختلفة أكثرها ارتفاعاً هو التل الأثـري الموجود قـرب الجانب الشرقي للسور ، إذ يبلغ ارتفاعه عـن مجرى وادي أذنـة حـوالي ( 30 متراً ) ، وهو الذي تقع عليه المدينة وكذلك الجزء الذي كانت تشرف عليه المدينة في جانبيها الشرقي والجنوبي ـ أيضاً ـ ، وتتكون القرية المستحدثة ـ الحالية ـ من مبانٍ طينية ترتفع بعضها إلى ثلاثة أدوار ، منها القليل مازالت مأهولة بالسكان بينما البقية عبارة عن أطلال ، وهذه القريـة يعـود تـاريخها إلى العصور الإسلامية ، شيدت فوق أنقاض خرائب المدينة القديمة التي ـ غـالـبـاً ـ مـا يـمـيـل الإخـبـاريـون وبعض المؤرخـيـن إلـى أنـهـا بـقـايـا قصر سلحين ـ قصر الحكم السبئي ـ ، والواقع أنه غير ذلك إذ يحتمل أن المدينة الحالية أقيمت على خرائب لمجمع تعبـدي ديـني إذ تشير النقوش إلى وجود معبدين هامين من معابد المقة ، أقيما داخل أسوار المدينة ، وهما معبد ( ي ث و ) ومعبد ( م س ك ت ) ، وهما اللذان قلعت أحجارهما لبناء مركز لواء مأرب في فترة الإمامة قبل الثورة .
أما بالنسبة لقصر سلحين فلم تذكر لنا النقوش أن هناك قصراً خاصاً بالحكم ولكن تصف دائماً سلحين بأنه يضم مجموعة من مبـانٍ ملـوك سـبـأ ؛ لـذلك تـذكر النقـوش أحيـانـاً الصيغة ( أ ب ي ت هـ م و / س ل ح ن ) - أي بيوتهم سلحين بصفة الجمع - مما يدل أنها مجموعة من المنازل الملكية تأخذ حيزاً معيناً في المدينة وتعتبر رمزاً للحكم بينما كان الملك يمارس مهام الملك من المعبد .
وأشهر ما في المدينة القديمة من المعالم مسجد سليمان الذي ارتبطت تسميته بالنبي سليمان الذي زارته الملكة بلقيس في ( أورشليم ) .
ثالثاً - مسجد سليمان : يقع هذا المسجد في الجانب الغربي للمدينة ، ويواجه مبنى مركز محافظة مأرب استخدمت في بنائه مادة الحجر ، وهى أحجار قديمة أعيد استخدامها ، ويقوم سقفه على مجموعة من الأعمدة الحجرية الأثرية بلغ عددها ( 52 عموداً ) ، ومعظمها أعمدة مضلعة ذات ثمانية أضلع يصل محيط بعضها إلى ( 1.11م ) ، وهذا المسجد قد اندثر معظم سقفه وبعض أجزائه خاصة الغربية ، ولم يعد يستخدم للغرض الذي أنشئ من أجله .
وهناك قطعتان حجريتان كتب عليهما نفس النص الآتي :
- بسم الله الرحمن الرحيم
- روى عمر بن عبد العزيز بن
- سعيد الماربي عن النقاب وأصحاب
- الحديث أنه بنى هذا المسجد الشريف
- القديم سليمان بن داوود نبي الله
- صلى الله عليه وسلم ..... ؟
- ............ الله ................. ؟
- فيه و ........................... ؟
وهناك أيضاً قطع حجرية كتب عليها النص التأسيسي للمسجد وينص على :
- أمر بعمارة ................. الله
- مسجد سليمان بن داود
- ............. أنه
- ............. أجمعين ........... سنة سبع
- وستين وأربع مائة .
ويدل النص التأسيسي أن هذا المسجد بني في سنة ( 467 للهجرة النبوية ) ، وهو مما يكذب ما كتب على القطعتين الحجريتين ، وقد أوردنا نصهما سابقاً بأن هذا المسجد بناه النبي سليمان ، وهو النبي الذي ظهر في القرن العاشر قبل الميلاد ، وعلى كل الأحوال ما جاء في النص الأخير يجعل من المستحيل أن يكون المسجد بناه نبي الله سليمان بن داود .
2- سد مأرب العظيم :
يقع سد مأرب إلى الغرب من مدينة مأرب القديمة ، ويبعد عنها نحو ( 8 كيلومترات ) ، شيد سد مأرب ـ الذي كانت تطلق عليه النقوش مصطلح ( ع ر م ) ـ على وادي أذنة الكبير بين مأزمي الجبلين ، البلق الشمالي والبلق الأوسط ، وسلسلة جبال البلق وهي التي تؤلف الحاجز الأخير للمرتفعات الشرقيـة قـبل أن تلتقي بالصحـراء ، والصحـراء المعنية هـي ذلك الجـزاء مـن فلاة اليمن ـ أو جُرُز اليمن الشرقي ـ الذي يمتد ما بين مأرب وشبوة ، وتصب فيه معظم أودية الشرق ، ويسميه الجغرافيون العرب بمفازة صيهد ، ويطلق عليها ـ حالياً ـ اسم رملة السبعتين ، وبين مأزمي جبلي البلق الشمالي والبلق الأوسط يضيق وادي أذنة بحيث يكون موقعاً طبيعياً يصلح لإقامة سد، وتتسع منطقة التجمع في أعلى المضيق بحيث تبدو وكأنها حوض مثالي لاحتواء المياه، ووادي أذنه ـ ( ا ذ ن ت ) في النقوش ـ هو أعظم أودية اليمن وميزابه الشرقي ، وتشمل روافده أكبر مساحة بين روافد أودية اليمن الأخرى .
ـ تاريخ بناء السد واندثاره : يعود تاريخ بناء السد إلى القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد كأدنى تاريخ معروف ، وذلك بناءاً على ورود اسم أحد مكاربة القرن السابع قبل الميلاد في نقش مثبت على مبنى المصرف الجنوبي ، وهـذا المكرب هو " يثع أمر بين بن سمه علي " ، وقد تعرض هذا السد للتدمير عدة مرات بسبب تراكم الترسبات الطمثية في حوضه ، ذكرت النقوش أربع منها ، الأولى في عهد الملك " ذمار علي ذرح بن كرب إل وتر " الذي حكم في الربع الأخير من القرن الأول الميلادي ، والمرة الثانية في عهد " شرحب إل يعفر بن إلي كرب أسعد " الذي حكم في منتصف القرن الخامس الميلادي ، والمرة الثالثة والرابعة كانت في عهد إبرهة الحبشي في سنة ( 552 ميلادية ) .
والآن لم يبق من آثـار السد القديم سوى بعض معالم لجدار السد أو السد نفسه ، ومباني المصرفين الكبيرين اللذين كانت تخرج بواسطتهما المياه من جانبي السد أو الصدفين الشمالي والجنوبي ، إضافة إلى القناتين الرئيسيتين اللتين كانتا تربطان المصرفين بالجنتين ، ومقاسم المياه في الجنتين ـ الأراضي الزراعية الشمالية والجنوبية ـ ، وهي سدود تحويلية صغيرة تقسم المياه التي تصلها من القناتين الرئيسيتين .
شيد جدار السد من نقطة أساس الوادي على الصخر ( الأم ) بأحجار ضخمة ثم بعلوها جدار السد فوقها تدريجياً ، وقد وصل أعلى ارتفاع له من سطح الوادي حوالي ( 16 متراً ) ، ويقدر سمكه بحوالي ( 20 متراً ) ، وكان طوله يمتد حوالي ( 680 متراً ) عبر الوادي ما بين الصدف الجنوبي القائم على سفح جبل البلق الأوسط والصدف الشمالي والمبني على الصخور المقابلة في جبل البلق الشمالي .
أما الصدفان ـ المصرفان الجانبيان للسد ـ ، فهما عبارة عن مخرجين ـ هويسين ـ كبيرين قد نحتا أصلاً في الصخر ثم استكمل بناؤهما على صخور جبلي البلق الشمالي والأوسط بحيث يكونان قناتي توصيل كبيرتين شق أسفلهما من الصخر وشيد أعلاهما بواجهات سميكة من الحجارة الكبيرة مربعة الأضلاع ، وقد هندمت أحسن هندمة ، وثبت بعضها فوق بعض بتلاحم وترابط ، ووظيفة هاتين القناتين هي تصريف المياه المتدفقة من السد عبر حوضين صغيرين يكبحان شدة تدفقهما ويتصلان بالقناتين الرئيستين اللتين تمدان كل أراضي الجنتين بالمياه على جانبي الوادي ، وآثار بناء الصدفين لا تزال قائمة ، وهي في الواقع أبرز آثار السد ومنشآت الري في مأرب اليوم .
ـ الصدف الأيمن ( الجنوبي ) : يعرف هذا الصدف عند الأهالي بـ ( مربط الدم ) ، ويعني المكان الذي ربط فيه القط بناءاً على الأسطورة التي تقول أن خراب سد مأرب كان بسبب الفئران التي أتت عليه ، فربط الدم هناك في هذا الصدف لكي يحميه من الفئران ، ويعرف في النقوش باسم ( رح ب) ، ويذكر النقش على هذا الصدف أن " سمه علي ينف " مكرب سبأ شيد هذه القناة فـي حافة جبل البلق الأوسط حيث أقام على الصخر كتفي البوابة وهما لا يزالان في حالة جيدة .
يتكون هذا الصدف من دعامة ضخمة ودعامة خلفية صغيرة مع حاجز حجري بينهما ، تمتد الدعامة الضخمة من الشرق إلى الغرب ، وتطل على وادي أذنه ، وقد شيدت على مرتفع صخري عند الكتف الشمالي لجبل البلق الأوسط يُرقى إليه بسلالم حجرية بعضها منحوتة في نفس الضلع والبعض الآخر من أحجار بنائية ، وقـد أقيمت هـذه الـدعـامـة بأحجار مهنـدمـة أبعـادهـا ( 2.16 × 0.30 متر ) ، وتتخلل واجهتيها الجنوبية والشمالية بروزات حجرية بهيئة تعشيق لزيادة القوة في البناء ، وتحتوي بعض الأحجار على زخارف تمثل حليات معمارية تشير إلى أنها منقولة من مبانٍ أخرى ، ويستدل منها على عمليات التجديدات والترميمات التي حصلت للسد ، وقد روعي في بناء هذه الدعامة ـ وكذلك في المرتفع التي تقوم عليه ـ عدم ترك أي فراغات لتسرب المياه حيث تلاحظ فراغات أغلقت بالقضاض لمنع تأثيرات المياه التي قد تنحت بمرور الزمن في الصخر مما سيسبب انهيار هذا المصرف وبالتالي جدار السد ، أما الدعامة الثانية فهي صغيرة وقد شيدت بأحجار مهندمة ويبدو جانبها المتجه صوب حوض السد بشكل محدب لتفادي ضغط المياه وجانبها الخلفي يكـون مستويـاً ، وأسند بثلاثـة دعـامـات حجريـة يبلـغ مقياس أكـبرهـا ( 1 × 0.45 × 0.46 متر ) .
وبين دعامتي هذا المصرف أقيم حاجز حجري كمرد للمياه وفي نفس الوقت يقوم بتصريف المياه الفائضة من حوض السد من خلال قناة حفرت في الصخر الذي سويت بعض جوانبه لغرض سقاية الجنة اليمني ، ومازالت بقايا كثير من أبنية هذه القناة ظاهرة اليوم ، ويشاهد في ممرها بعض النقوش على الأحجار التي شيدت بها أبنيتها .
ـ الصدف الأيسر ( الشمالي ) : يبدو من نقوش هذا الصدف أنه شيد بعد الصدف الجنوبي ، ويتكون من سـدة حجرية ـ حاجز مـائي ـ ودعامـة كبيرة وفتحتين بينهما أقيمت السدة بعرض ( 12.20 متراً ) ، وترتكز من الغرب على الكتف الشرقي لجبل البلق الشمالي ، وقد شيدت بأحجار مهندمة بشكل معشق وأحجار طولية وأخرى عرضية مقاسات أكبرها (1.66×0.37 × 0.40 م )، واستخدمت مادة القضاض في ربط أحجار هذه السدة ، ويلاحظ أن واجهتها التي تستقبل المياه مختومة في الأعلى بشرفة من صفوف الحجر تسندها دعامات خلفية لغرض منع تأثيرات المياه المتدفقة وجعلت في الأعلى منافذ لتصريف المياه الزائدة كي لا يرتفع منسوبها أمام السد ، ويلاحظ في صلب البناء أحجار عليها نقوش وأخرى تحمل حزوزاً غائرة رغـم أنها تمثل جليات مـعـمـاريـة ـ ديكور ـ لجدران المباني الدينية ، ووجودها هنا يحمل على الاعتقاد بأنها لم تنحت لهذا البناء بالذات بل جلبت مـن مبانٍ أخـرى ربما في فترات متأخرة أثناء عمليات الترميم
والتجديد المتأخرة .
وتشاهد هناك أحجار فيها ثقوب دائرية ومربعة ذات أعماق غير متساوية ومحفورة على مسافات غير متناسقـة ـ الغرض منها تثبيت الحجر فوق الحجر الأسفل منه وأسفل الحجر الذي عليه بقضيب صغير من مادة الرصاص ـ لتضيف للبناء المزيد من القوة والمتانة من جانب ومن جانب آخر ليضيف للبناء مرونة أكثر في صد فيضانات المياه .
أما الدعامة الكبيرة فأعلى ارتفاع متبقٍ لها يزيد عن ( 10.30 م ) وقد شيدت على سن صخري بأحجار مهندمة أبعاد أكبرها ( 2.10 × 0.42 م ) ، ويلاحظ أنها مجددة واستخدمت في بنائها أحجار منقولة بعضها تتضمن نقوشاً بخط المسند ، وبناؤها يميل عن العمودية إلى الداخل وفيها انحناءات غرضها تفادي ضغط المياه ، وقد طلي ظاهرها بالقضاض ، وعلى الأقسام العليا لها بقايا وحدات بنائية قد تكون لمراقبة ارتفاع منسـوب المياه ، ويفصل بين هـذه الدعامـة والسـدة الحجرية المذكـورة آنفاً فتحتان عرضهما ( 3.55 م ) و ( 2.95 م ) تتوسطهما دعامة صغيرة مشيدة بأحجار مهندمة عرضها ( 4.25 م ) ، وقد سدت واحدة من الفتحتين في فترة متأخرة ، وهما تؤديان إلى قناة كبيرة تتجه صوب مصارف القنوات في الجهة الشمالية ، إذ أقيم جانباها من سدة ترابية رصفت بقطع أحجار جيرية وصخرية مختلفة وغير مهندمة أصغر قياسا من أحجار أبنية المصرف الشمالي للسد .
ـ سد مأرب الجديد : كان نتيجة للحاجة الماسة لتطوير المناطق الشرقية من اليمن حديثاً هو بناء سد مأرب القديم ، وهو جزء من ذلك النهج التطويري الذي بدأه ابن اليمن البار فخامة الرئيس علي عبدالله صالح منذ توليه زمام القيادة ، فقد أعلن في يوليو ( 1984م ) عن إعادة بناء سد مأرب ، وكان هذا الإعلان مفاجأة لكثير من الناس في داخل اليمن وخارجه ، وفي 2 أكتوبر من عام ( 1984 م ) قام فخامة الرئيس علي عبدالله صالح والشيخ زايد بن سلطان بوضع حجـر الأساس لبناء سـد مأرب الجديد في منطقة السـد الجـديـد ـ حـالـيـاً ـ والذي يقع على بعد ( ثلاثة كيلومترات ) إلى الغرب من السد القديم ، وتم افتتاح السد الجديد من قبل فخامة الرئيس علي عبدالله صالح وأخيه الشيخ زايــد بـن سلطان فـي عام 1986م .
http://www.nic.gov.ye/SITE%20CONTAINTS/tourism/tourist%20places/mareb/alsad%20aljadid2.jpg
السد الجديد
أ- مدينة مأرب :
تقع هذه المدينة إلى الشرق من صنعاء وتبعد عنها نحو ( 173 كيلومتراً ) ، وتقع عند مصبات وادي أذنة على الضفة الشمالية للوادي .
التسمية : تسمية هـذه المدينة قديم جداً تعود إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد ، فـقـد ذكـرت
فــي نقوش من القرن الثامن قبل الميلاد باللفظ ( م ر ي ب ) ، وفي بعض النقوش المتأخرة ظهر اسمها باللفظ ( م ر ب ) .
ـ تاريخ المدينة : لقد توصلت الأبحاث الأثرية والدراسات التي أجراها الفريق الأثري الإيطالي في وادي يلا أن مدينة (حفري) ـ ربما ـ هي أقدم مدينة كانت العاصمة الإدارية لمملكة سبأ في بداية ظهورها ، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدينة مأرب وبداية اتخاذها كعاصمة إدارية لمملكة سبأ بدأ يظهر بكل وضــوح فـي الـقـرن الثامن قـبل المـيـلاد ويعـتبـر المستشرق الألمـانـي (WISSMANN H. V ) أن أقدم ذكر هو ما ورد في النقش الموسوم بـGL. 1719+1717+1718) )، وهو الذي سجله نائب الملك على مأرب وحاكمها الإقليمي ويذكر فيه مكرب سبأ " يدع إل / ينف " الذي حكم في ( 755 ق . م ) على أن الذي اختط المدينة هو " يثع أمر/ بين / بن / سمه علي/ مكرب / سبأ " وهو المكرب السبئي الذي حكم في نهاية الـقـرن الـثـامـن قـبـل المـيـلاد ـ في (715 ق . م ) ـ وذلك كما دونه هذا المكرب السبئي فـي النـقـش الموسوم بـ (Garbini – mm ) .
وبعـد أن اختط المدينة ذكر بأنه قام بتجديد الاتحاد الفيدرالي لقبائل دولة سبأ والذي يأتي في النقوش بالصيغة ( يوم / هوصت / كل / جوم / ذالم / وشيمم / وذ / حبلم / وحمرم ) .
وهكذا ظلت هذه المدينة هي العاصمة الإدارية لدولة سبأ من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي ـ أي ما يقارب ألف عام ـ ، لقد شهدت هذه المدينة الكثير والكثير من الأحداث سواءً من جانب تشييد بنيتها التحتية المتمثلة ببناء السد واستصلاح الأراضي الزراعية وبناء الأسوار والمعابد أو من الجانب العكسي وهو المحاولات العسكرية للاستيلاء عليها خاصة تلك الغزوة الرومانية التي وصلت إلى مشارفها في سنة ( 24 ق . م ) والتي عادت على أعقابها خائبة أو تلك المحاولات التي تمـت مـن قبل الريدانيين فـي القـرن الثاني الميلادي حتى أن الملـك المشهور ( شمر يهرعش ) وأبيه ( ياسر يهنعم ) عندما آلت إليهما أملاك الدولة السبئية في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي لم يقتحماها ، ولكن دخلاها بسلام لتنصيب نفسيهما ملكي سبأ وذى ريدان ؛ لأنها تمثل العاصمة السياسية السبئية ، وبعد تنصيب نفسيهما فيها عادا لمزاولة مهام الحكم من عاصمتهما ( ظفار - يريم) .
ـ ومن معالم مدينة مأرب :
- المدينة القديمة
- سد مأرب العظيم
- شبكة قنوات الري ( الجنتان )
- معبد عرش بلقيس ( برأن )
- معبد محرم بلقيس ( أوام )
1- مدينة مأرب القديمة :
تقع مدينة مأرب القديمة إلى الجنوب من مدينة مأرب الجديدة ، وكانت تشتمل على سور محيط بها يحتوى في داخله منشآتها المختلفة مثل المعابد ، الأسواق ، المنازل السكنية ... وغيرها أولاًـ سور المدينة : ذكر بناء السور في بادئ الأمر في نقشين من ( القرن الثامن قبل الميلاد) والموسومان بــ( Gl .418;GL . 479 ) حيث بناه المكرب السبئي " سمه علي ينف " ثم أضاف إليه المكرب السبئي " كرب إل وتر بن ذمر علي " بعض الأجزاء ، وشيدت فيه بوابتان وبعض الأبراج الدفاعية ، وكان ذلك في ( القرن السابع قبل الميلاد ) .
وقد شيد هذا السور في مرحلتيه من الأحجار المهندمة التي نحتت بعناية ، واستخدم في بنائه الطريقة الهندسية المعروفة ، وهي أن الصف الحجري الأسفل يبرز قليلاً عن الصف الحجري الأعلى، وهكذا يبدو الجدار بشكل مائل إلى الخارج وذلك ليزيد الجدار قوة ومناعة .
وقد تم توزيع الأبراج الدفاعية على السور بطريقة غير منتظمة تبعاً لاستراتيجية دفاعية اقتضتها الحاجة حينه ، فهناك برجان دفاعيان في الجدار الشمالي بلغت المسافة بينهما ( 10.50 متر ) ، كما أن الأبراج لا تتماثل بسعتها فأبعاد أحدها في جـهـة الغـرب ( 5.35 × 3 م ) وفي الشمال ( 6 × 2.70 م ) و( 5.60 × 3.83م ) ، وهي مشيده بأحجار كبيرة تختلف أبعادها وتقل حجماً كلما ارتفع البناء .
والسور اليوم يكاد أن يكون مطموس المعالم من حيث شكله ولكن استطاع الباحثون من تحديده تماماً بواسطة التصوير الجوي للمدينة القديمة ، وهو يتخذ شكلاً غير منتظم جرفت السيول والفيضانات بعض أجزائه الجنوبية وبقى منه بقية أساسات الأجزاء الأخرى الشرقية والشمالية والغربية ، ولم يعثر على مدخل واضح للمدينة خاصة أننا عرفنا أن " كرب إل وتر " بنى فيه بوابتين في القرن السابع قبل الميلاد ، فهناك فتحه تتخلل السور عند جانبه الغربي يحتمل أن تكون واحدة من أحد المدخلين ـ البوابتين ـ وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً لعدم وجود بقايا البرجين الدفاعيين اللذين دائماً ما يكتنفان مداخل المدن اليمنية القديمة .
تعرضت مدينة مأرب لبعض الأضرار بسبب السيول في عهد الملك " شمر يهرعش " ملك سبأ وذي ريدان الذي حكم في الربع الأخير من القرن الثالث الميـلادي ، حيـث ذكـر النقـش الموسوم بـ ( Ja. 651 ) الذي سجله أقيال قبيـلة مهأنف ـ التي كانت أراضيها في شمال وشمال شرق مدينة ذمار اليوم ـ ، فقد سجلوا بناء تحصينات دفاعية من السيول التي تهدد مأرب إلى جانب التحصينات الدفاعية العسكرية ، ويذكـرون أنـهم بناءاً على تكليف الملك " شمر يهرعش " لهم قاموا ببعض الأعمال والمراقبة في مدينة مأرب أثناء انعقاد الحج والكرنفال السنوي لمعبد ( أوام ) معبد ( المقة )، صادف أن سقطت أمطار غزيرة فاضطر الأقيال إلى القيام بأعمال الإنقاذ بالترميم والصيانة في المدينة تمثلت في إعادة بناء أسوار ومحافد مأرب إلى جانب قيامهم ببناء منشأة أطلق عليها النقش اسم ( م ض ر ف ن ) لحماية المدينة من أخطار السيول التي تهددها بعد أن هددت السيول الناتجة عن هذه الأمطار مدينة مأرب وخاصة في جزئها الجنوبي المطل على وادي أذنة .
وعندما زار المستشرق ( توماس ارنولد ) مدينة مأرب القديمة في سنة ( 1843 م ) قام بعمل رسم تخطيطي لها وذكر أنها مستديرة وأن بها ثمانية أبواب : فباب العقير في السور الغربي ، باب الحد في الجهة نفسها على مقربة من الركن الجنوبي الغربي ، وفي السور الشمالي باب النصر وباب الكار ، كما يذكر ـ أيضاً ـ باب المحرم وباب الدرب وباب القبلة وباب المجنة ، ولكن السيول جرفت جزءاً كبيراً من الخرائب وجرفت معها جزءاً كبيراً من الجدارين الجنوبي والشرقي ، ويبدو أن هناك أماكن كثيرة مكسورة في الجدران اعتبرها ( ارنولد ) أبواباً وسماها بالأسماء التي كان يطلقها عليها الأهالي .
ثانياً ـ مكونات المدينة داخل السور : تتألف من مرتفعات مختلفة أكثرها ارتفاعاً هو التل الأثـري الموجود قـرب الجانب الشرقي للسور ، إذ يبلغ ارتفاعه عـن مجرى وادي أذنـة حـوالي ( 30 متراً ) ، وهو الذي تقع عليه المدينة وكذلك الجزء الذي كانت تشرف عليه المدينة في جانبيها الشرقي والجنوبي ـ أيضاً ـ ، وتتكون القرية المستحدثة ـ الحالية ـ من مبانٍ طينية ترتفع بعضها إلى ثلاثة أدوار ، منها القليل مازالت مأهولة بالسكان بينما البقية عبارة عن أطلال ، وهذه القريـة يعـود تـاريخها إلى العصور الإسلامية ، شيدت فوق أنقاض خرائب المدينة القديمة التي ـ غـالـبـاً ـ مـا يـمـيـل الإخـبـاريـون وبعض المؤرخـيـن إلـى أنـهـا بـقـايـا قصر سلحين ـ قصر الحكم السبئي ـ ، والواقع أنه غير ذلك إذ يحتمل أن المدينة الحالية أقيمت على خرائب لمجمع تعبـدي ديـني إذ تشير النقوش إلى وجود معبدين هامين من معابد المقة ، أقيما داخل أسوار المدينة ، وهما معبد ( ي ث و ) ومعبد ( م س ك ت ) ، وهما اللذان قلعت أحجارهما لبناء مركز لواء مأرب في فترة الإمامة قبل الثورة .
أما بالنسبة لقصر سلحين فلم تذكر لنا النقوش أن هناك قصراً خاصاً بالحكم ولكن تصف دائماً سلحين بأنه يضم مجموعة من مبـانٍ ملـوك سـبـأ ؛ لـذلك تـذكر النقـوش أحيـانـاً الصيغة ( أ ب ي ت هـ م و / س ل ح ن ) - أي بيوتهم سلحين بصفة الجمع - مما يدل أنها مجموعة من المنازل الملكية تأخذ حيزاً معيناً في المدينة وتعتبر رمزاً للحكم بينما كان الملك يمارس مهام الملك من المعبد .
وأشهر ما في المدينة القديمة من المعالم مسجد سليمان الذي ارتبطت تسميته بالنبي سليمان الذي زارته الملكة بلقيس في ( أورشليم ) .
ثالثاً - مسجد سليمان : يقع هذا المسجد في الجانب الغربي للمدينة ، ويواجه مبنى مركز محافظة مأرب استخدمت في بنائه مادة الحجر ، وهى أحجار قديمة أعيد استخدامها ، ويقوم سقفه على مجموعة من الأعمدة الحجرية الأثرية بلغ عددها ( 52 عموداً ) ، ومعظمها أعمدة مضلعة ذات ثمانية أضلع يصل محيط بعضها إلى ( 1.11م ) ، وهذا المسجد قد اندثر معظم سقفه وبعض أجزائه خاصة الغربية ، ولم يعد يستخدم للغرض الذي أنشئ من أجله .
وهناك قطعتان حجريتان كتب عليهما نفس النص الآتي :
- بسم الله الرحمن الرحيم
- روى عمر بن عبد العزيز بن
- سعيد الماربي عن النقاب وأصحاب
- الحديث أنه بنى هذا المسجد الشريف
- القديم سليمان بن داوود نبي الله
- صلى الله عليه وسلم ..... ؟
- ............ الله ................. ؟
- فيه و ........................... ؟
وهناك أيضاً قطع حجرية كتب عليها النص التأسيسي للمسجد وينص على :
- أمر بعمارة ................. الله
- مسجد سليمان بن داود
- ............. أنه
- ............. أجمعين ........... سنة سبع
- وستين وأربع مائة .
ويدل النص التأسيسي أن هذا المسجد بني في سنة ( 467 للهجرة النبوية ) ، وهو مما يكذب ما كتب على القطعتين الحجريتين ، وقد أوردنا نصهما سابقاً بأن هذا المسجد بناه النبي سليمان ، وهو النبي الذي ظهر في القرن العاشر قبل الميلاد ، وعلى كل الأحوال ما جاء في النص الأخير يجعل من المستحيل أن يكون المسجد بناه نبي الله سليمان بن داود .
2- سد مأرب العظيم :
يقع سد مأرب إلى الغرب من مدينة مأرب القديمة ، ويبعد عنها نحو ( 8 كيلومترات ) ، شيد سد مأرب ـ الذي كانت تطلق عليه النقوش مصطلح ( ع ر م ) ـ على وادي أذنة الكبير بين مأزمي الجبلين ، البلق الشمالي والبلق الأوسط ، وسلسلة جبال البلق وهي التي تؤلف الحاجز الأخير للمرتفعات الشرقيـة قـبل أن تلتقي بالصحـراء ، والصحـراء المعنية هـي ذلك الجـزاء مـن فلاة اليمن ـ أو جُرُز اليمن الشرقي ـ الذي يمتد ما بين مأرب وشبوة ، وتصب فيه معظم أودية الشرق ، ويسميه الجغرافيون العرب بمفازة صيهد ، ويطلق عليها ـ حالياً ـ اسم رملة السبعتين ، وبين مأزمي جبلي البلق الشمالي والبلق الأوسط يضيق وادي أذنة بحيث يكون موقعاً طبيعياً يصلح لإقامة سد، وتتسع منطقة التجمع في أعلى المضيق بحيث تبدو وكأنها حوض مثالي لاحتواء المياه، ووادي أذنه ـ ( ا ذ ن ت ) في النقوش ـ هو أعظم أودية اليمن وميزابه الشرقي ، وتشمل روافده أكبر مساحة بين روافد أودية اليمن الأخرى .
ـ تاريخ بناء السد واندثاره : يعود تاريخ بناء السد إلى القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد كأدنى تاريخ معروف ، وذلك بناءاً على ورود اسم أحد مكاربة القرن السابع قبل الميلاد في نقش مثبت على مبنى المصرف الجنوبي ، وهـذا المكرب هو " يثع أمر بين بن سمه علي " ، وقد تعرض هذا السد للتدمير عدة مرات بسبب تراكم الترسبات الطمثية في حوضه ، ذكرت النقوش أربع منها ، الأولى في عهد الملك " ذمار علي ذرح بن كرب إل وتر " الذي حكم في الربع الأخير من القرن الأول الميلادي ، والمرة الثانية في عهد " شرحب إل يعفر بن إلي كرب أسعد " الذي حكم في منتصف القرن الخامس الميلادي ، والمرة الثالثة والرابعة كانت في عهد إبرهة الحبشي في سنة ( 552 ميلادية ) .
والآن لم يبق من آثـار السد القديم سوى بعض معالم لجدار السد أو السد نفسه ، ومباني المصرفين الكبيرين اللذين كانت تخرج بواسطتهما المياه من جانبي السد أو الصدفين الشمالي والجنوبي ، إضافة إلى القناتين الرئيسيتين اللتين كانتا تربطان المصرفين بالجنتين ، ومقاسم المياه في الجنتين ـ الأراضي الزراعية الشمالية والجنوبية ـ ، وهي سدود تحويلية صغيرة تقسم المياه التي تصلها من القناتين الرئيسيتين .
شيد جدار السد من نقطة أساس الوادي على الصخر ( الأم ) بأحجار ضخمة ثم بعلوها جدار السد فوقها تدريجياً ، وقد وصل أعلى ارتفاع له من سطح الوادي حوالي ( 16 متراً ) ، ويقدر سمكه بحوالي ( 20 متراً ) ، وكان طوله يمتد حوالي ( 680 متراً ) عبر الوادي ما بين الصدف الجنوبي القائم على سفح جبل البلق الأوسط والصدف الشمالي والمبني على الصخور المقابلة في جبل البلق الشمالي .
أما الصدفان ـ المصرفان الجانبيان للسد ـ ، فهما عبارة عن مخرجين ـ هويسين ـ كبيرين قد نحتا أصلاً في الصخر ثم استكمل بناؤهما على صخور جبلي البلق الشمالي والأوسط بحيث يكونان قناتي توصيل كبيرتين شق أسفلهما من الصخر وشيد أعلاهما بواجهات سميكة من الحجارة الكبيرة مربعة الأضلاع ، وقد هندمت أحسن هندمة ، وثبت بعضها فوق بعض بتلاحم وترابط ، ووظيفة هاتين القناتين هي تصريف المياه المتدفقة من السد عبر حوضين صغيرين يكبحان شدة تدفقهما ويتصلان بالقناتين الرئيستين اللتين تمدان كل أراضي الجنتين بالمياه على جانبي الوادي ، وآثار بناء الصدفين لا تزال قائمة ، وهي في الواقع أبرز آثار السد ومنشآت الري في مأرب اليوم .
ـ الصدف الأيمن ( الجنوبي ) : يعرف هذا الصدف عند الأهالي بـ ( مربط الدم ) ، ويعني المكان الذي ربط فيه القط بناءاً على الأسطورة التي تقول أن خراب سد مأرب كان بسبب الفئران التي أتت عليه ، فربط الدم هناك في هذا الصدف لكي يحميه من الفئران ، ويعرف في النقوش باسم ( رح ب) ، ويذكر النقش على هذا الصدف أن " سمه علي ينف " مكرب سبأ شيد هذه القناة فـي حافة جبل البلق الأوسط حيث أقام على الصخر كتفي البوابة وهما لا يزالان في حالة جيدة .
يتكون هذا الصدف من دعامة ضخمة ودعامة خلفية صغيرة مع حاجز حجري بينهما ، تمتد الدعامة الضخمة من الشرق إلى الغرب ، وتطل على وادي أذنه ، وقد شيدت على مرتفع صخري عند الكتف الشمالي لجبل البلق الأوسط يُرقى إليه بسلالم حجرية بعضها منحوتة في نفس الضلع والبعض الآخر من أحجار بنائية ، وقـد أقيمت هـذه الـدعـامـة بأحجار مهنـدمـة أبعـادهـا ( 2.16 × 0.30 متر ) ، وتتخلل واجهتيها الجنوبية والشمالية بروزات حجرية بهيئة تعشيق لزيادة القوة في البناء ، وتحتوي بعض الأحجار على زخارف تمثل حليات معمارية تشير إلى أنها منقولة من مبانٍ أخرى ، ويستدل منها على عمليات التجديدات والترميمات التي حصلت للسد ، وقد روعي في بناء هذه الدعامة ـ وكذلك في المرتفع التي تقوم عليه ـ عدم ترك أي فراغات لتسرب المياه حيث تلاحظ فراغات أغلقت بالقضاض لمنع تأثيرات المياه التي قد تنحت بمرور الزمن في الصخر مما سيسبب انهيار هذا المصرف وبالتالي جدار السد ، أما الدعامة الثانية فهي صغيرة وقد شيدت بأحجار مهندمة ويبدو جانبها المتجه صوب حوض السد بشكل محدب لتفادي ضغط المياه وجانبها الخلفي يكـون مستويـاً ، وأسند بثلاثـة دعـامـات حجريـة يبلـغ مقياس أكـبرهـا ( 1 × 0.45 × 0.46 متر ) .
وبين دعامتي هذا المصرف أقيم حاجز حجري كمرد للمياه وفي نفس الوقت يقوم بتصريف المياه الفائضة من حوض السد من خلال قناة حفرت في الصخر الذي سويت بعض جوانبه لغرض سقاية الجنة اليمني ، ومازالت بقايا كثير من أبنية هذه القناة ظاهرة اليوم ، ويشاهد في ممرها بعض النقوش على الأحجار التي شيدت بها أبنيتها .
ـ الصدف الأيسر ( الشمالي ) : يبدو من نقوش هذا الصدف أنه شيد بعد الصدف الجنوبي ، ويتكون من سـدة حجرية ـ حاجز مـائي ـ ودعامـة كبيرة وفتحتين بينهما أقيمت السدة بعرض ( 12.20 متراً ) ، وترتكز من الغرب على الكتف الشرقي لجبل البلق الشمالي ، وقد شيدت بأحجار مهندمة بشكل معشق وأحجار طولية وأخرى عرضية مقاسات أكبرها (1.66×0.37 × 0.40 م )، واستخدمت مادة القضاض في ربط أحجار هذه السدة ، ويلاحظ أن واجهتها التي تستقبل المياه مختومة في الأعلى بشرفة من صفوف الحجر تسندها دعامات خلفية لغرض منع تأثيرات المياه المتدفقة وجعلت في الأعلى منافذ لتصريف المياه الزائدة كي لا يرتفع منسوبها أمام السد ، ويلاحظ في صلب البناء أحجار عليها نقوش وأخرى تحمل حزوزاً غائرة رغـم أنها تمثل جليات مـعـمـاريـة ـ ديكور ـ لجدران المباني الدينية ، ووجودها هنا يحمل على الاعتقاد بأنها لم تنحت لهذا البناء بالذات بل جلبت مـن مبانٍ أخـرى ربما في فترات متأخرة أثناء عمليات الترميم
والتجديد المتأخرة .
وتشاهد هناك أحجار فيها ثقوب دائرية ومربعة ذات أعماق غير متساوية ومحفورة على مسافات غير متناسقـة ـ الغرض منها تثبيت الحجر فوق الحجر الأسفل منه وأسفل الحجر الذي عليه بقضيب صغير من مادة الرصاص ـ لتضيف للبناء المزيد من القوة والمتانة من جانب ومن جانب آخر ليضيف للبناء مرونة أكثر في صد فيضانات المياه .
أما الدعامة الكبيرة فأعلى ارتفاع متبقٍ لها يزيد عن ( 10.30 م ) وقد شيدت على سن صخري بأحجار مهندمة أبعاد أكبرها ( 2.10 × 0.42 م ) ، ويلاحظ أنها مجددة واستخدمت في بنائها أحجار منقولة بعضها تتضمن نقوشاً بخط المسند ، وبناؤها يميل عن العمودية إلى الداخل وفيها انحناءات غرضها تفادي ضغط المياه ، وقد طلي ظاهرها بالقضاض ، وعلى الأقسام العليا لها بقايا وحدات بنائية قد تكون لمراقبة ارتفاع منسـوب المياه ، ويفصل بين هـذه الدعامـة والسـدة الحجرية المذكـورة آنفاً فتحتان عرضهما ( 3.55 م ) و ( 2.95 م ) تتوسطهما دعامة صغيرة مشيدة بأحجار مهندمة عرضها ( 4.25 م ) ، وقد سدت واحدة من الفتحتين في فترة متأخرة ، وهما تؤديان إلى قناة كبيرة تتجه صوب مصارف القنوات في الجهة الشمالية ، إذ أقيم جانباها من سدة ترابية رصفت بقطع أحجار جيرية وصخرية مختلفة وغير مهندمة أصغر قياسا من أحجار أبنية المصرف الشمالي للسد .
ـ سد مأرب الجديد : كان نتيجة للحاجة الماسة لتطوير المناطق الشرقية من اليمن حديثاً هو بناء سد مأرب القديم ، وهو جزء من ذلك النهج التطويري الذي بدأه ابن اليمن البار فخامة الرئيس علي عبدالله صالح منذ توليه زمام القيادة ، فقد أعلن في يوليو ( 1984م ) عن إعادة بناء سد مأرب ، وكان هذا الإعلان مفاجأة لكثير من الناس في داخل اليمن وخارجه ، وفي 2 أكتوبر من عام ( 1984 م ) قام فخامة الرئيس علي عبدالله صالح والشيخ زايد بن سلطان بوضع حجـر الأساس لبناء سـد مأرب الجديد في منطقة السـد الجـديـد ـ حـالـيـاً ـ والذي يقع على بعد ( ثلاثة كيلومترات ) إلى الغرب من السد القديم ، وتم افتتاح السد الجديد من قبل فخامة الرئيس علي عبدالله صالح وأخيه الشيخ زايــد بـن سلطان فـي عام 1986م .
http://www.nic.gov.ye/SITE%20CONTAINTS/tourism/tourist%20places/mareb/alsad%20aljadid2.jpg
السد الجديد